تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
روى عن محمد بن عبّاد المهلَّبىّ قال : لمّا مات أبو عيسى بن الرشيد دخلت على المأمون فخلعت عمامتي ونبنتها ورائي - والخلفاء لا تعزّى في العمائم - فقال لي : يا محمد ، حال القدر ، دون الوطر . فقلت : يا أمير المؤمنين ، كلّ مصيبة أخطأتك شوى « 1 » ، فجعل اللَّه الحزن لك لا عليك ! . قال : فركب المأمون إلى دار أبى عيسى فحضر جهازه وصلَّى عليه ونزل في قبره . وامتنع من الطعام أياما حتى خيف أن يضرّ ذلك به . قال : وما رأيت مصابا حزينا قطَّ أجمل أثرا في مصيبته ولا أحرق وجدا منه ، صامت ودموعه تهمى على خدّيه من غير كلح « 2 » ولا استنثار . وروى عن أحمد بن أبي داود قال : دخلت على المأمون وقد توفّى أخوه أبو عيسى وهو يبكى ويمسح عينيه بمنديل ، فقعدت إلى جنب عمرو بن مسعدة وتمثّلت قول الشاعر :
نقص من الدّنيا وأسبابها نقص المنايا من بني هاشم
فلم يزل على تلك الحال يبكى ثم يمسح عينيه ، وتمثّل :
سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تغض فحسبك منّى ما تجنّ الجوانح « 3 » كأن لم يمت حىّ سواك ولم تقم على أحد إلا عليك النوائح
ثم التفت إلىّ وقال : هيه يا أحمد ! فتمثّلت بقول عبدة بن الطبيب :
عليك سلام اللَّه قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحّما تحيّة من أوليته منك نعمة إذا زار عن شحط بلادك سلَّما
هامش
« 1 » شوى : هينة . يقال : كل شئ شوى ما سلم لك دينك ، أي هين . « 2 » كذا في الأصل والأغانى . والذي في معاجم اللغة : كلح ( وزان منع ) كلوحا وكلاحا ( بضمهما ) : تكثر في عبوس . « 3 » كذا في الأغانى . وفي الأصل : « الجوارح » .