وقال من أخرى في فتح بيت المقدس ، جاء منها :
« . . . زاول المدينة من جانب ، فإذا هو أودية عميقة : ولجج وعر غريقة ؛ وسور قد انعطف عطف السّوار ، وأبرجة قد نزلت مكان الواسطة من عقر الدار ؛ وقدّم المنجنيقات التي تتولَّى عقاب الحصون عصيّها وحبالها ، وأوتر لهم قسيّها التي تضرب ولا تفارق سهامها ولا سهامها نصالها ؛ فصافحت السّور فإذا سهامها في ثنايا شرفاتها سواك ، وقدّم النصر بشرى من المنجنيق تخلد إخلاده إلى الأرض وتعلو علوّه إلى السّماك ؛ فشجّ مرابع أبراجها ، وأسمع صوت عجيجها ، ورفع مثار عجاجها ؛ وأسفر النّقّاب عن الخراب النّقاب ، وأعاد الحجر إلى خلقته الأولى من التّراب ؛ ومضغ سرد حجارته بأنياب مغوله ، وأظهر من صناعته الكثيفة ما يدلّ على لطافة أنمله ، وأسمع الصخرة الشريفة أنينه إلى أن كادت ترقّ لمقتله » .
وقال أيضا من أخرى :
« . . . فنصبنا عليها المنجنيقات تمطر سماؤها نبل الوبال ، وتملأ ارضها بالنّكاية والنّكال ، وتهدّ بساريات حجارتها راسيات الجبال ؛ وتنزل نوازل الأسواء بالأسوار ، وتوسع مجال الدّوائر في الدّيار ، وتخطف بخطَّافاتها أعمار الأعمار ؛ وتطير حمامها بكتب الحمام ، وتديم إغراء سهامها في أهلها بتوفير سهام الإرغام ؛ وكشف النقّابون نقاب السّور المحجوج المحجوب ، فتهدّم بنيانه ، وتداعت أركانه ، بتظاهر المنجنيقات عليها والنّقوب » .
ووصف القاضي الفاضل المنجنيق من رسالة فقال :
« فسلَّمت كأنّها بنان ، ونضنضت كأنها لسان ، وأطَّت كأنها مرنان ، واهتزّت كأنها جانّ ، وتقوّمت كأنها سنان ، وانعطفت كأنها عنان ، وأقدمت كأنها شجاع وأحجمت
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 403
مساهمون: النويري
ص٤٠٣