قال أحمد بن أبي خيثمة : حدثنا مصعب ، قال : أخبرنا سفيان :
نرى هذا الحديث أنه هو مالك ، وكان سفيان يسألني عن أخبار مالك .
قلت : قد كان لهذا العمري علم وفقه جيد وفضل ، وكان قوالا
بالحق ، أمارا بالعرف ، منعزلا عن الناس ، وكان يحض مالكا إذا خلا
به على الزهد ، والانقطاع والعزلة ، فرحمهما الله .
فصل
ولم يكن بالمدينة عالم من بعد التابعين يشبه مالكا في العلم ، والفقه ،
والجلالة ، والحفظ ، فقد كان بها بعد الصحابة مثل سعيد بن المسيب ،
والفقهاء السبعة ( 1 ) ، والقاسم ، وسالم ، وعكرمة ، ونافع ، وطبقتهم ، ثم
زيد بن أسلم ، وابن شهاب ، وأبي الزناد ، ويحيى بن سعيد ، وصفوان بن
سليم ، وربيعة بن أبي عبد الرحمن ، وطبقتهم ، فلما تفانوا ، اشتهر ذكر
مالك بها ، وابن أبي ذئب ، وعبد العزيز بن الماجشون ، وسليمان بن بلال ،
وفليح بن سليمان ، والدراوردي ، وأقرانهم ، فكان مالك هو المقدم فيهم
على الاطلاق ، والذي تضرب إليه آباط الإبل من الآفاق ، رحمه الله تعالى .
وقد وقع لي من عواليه ( 2 ) " موطأ " أبي مصعب ( 3 ) . وفي الطريق
هامش
( 1 ) الفقهاء السبعة نظم أسماءهم بعضهم بهذين البيتين .
إذا قيل من في الفقه سبعة أبحر * روايتهم ليست عن العلم خارجة
فقل هم عبيد الله عروة قاسم * سعيد أبو بكر سليمان خارجة
( 2 ) العوالي : جمع علو ، وطلب العلو في الاسناد سنة عمن سلف من هذه الأمة ، ولهذا
حرص العلماء على الرحلة إليها واستحبوها ، وهو أنواع : منها كان قريبا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
ومنها ما كان قريبا من إمام من أئمة الحديث كالأعمش وابن جريج ومالك وشعبة . . ، ومنها ما
كان قريبا إلى كتاب من الكتب المعتمدة ، المشهورة كالموطأ والكتب الستة والمسند ، وأشرف
أنواعه ما كان قريبا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسناد صحيح نظيف خال من الضعف .
( 3 ) هو أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف
الزهري العوفي ، قاضي المدينة ، وأحد شيوخ أهلها ، لازم مالكا ، وتفقه عليه ، وروى عنه
موطأه ، وقد قالوا : إن موطأه آخر الموطآت ، توفي سنة ( 242 ) ، والموطأ بروايته لم يطبع ،
والبغوي في " شرح السنة " يكثر الرواية عنه ، والمطبوع من الموطآت برواية يحيى بن يحيى
المصمودي ، ورواية محمد بن الحسن تلميذ الامام أبي حنيفة .