تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سير أعلام النبلاء — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
حميد عن جرير بن عبد الحميد : رأيت ابن أبي ليلى يخضب بالسواد . قال العجلي : كان فقيها ، صاحب سنة ، صدوقا ، جائز الحديث . وكان قارئا للقرآن ، عالما به . قرأ عليه حمزة الزيات فكان يقول : إنا تعلمنا جودة القراءة عند ابن أبي ليلى . وكان من أحسب الناس ، ومن أنقط الناس للمصحف ، وأخطه بقلم . وكان جميلا نبيلا . وأول من استقضاء على الكوفة الأمير يوسف بن عمر الثقفي ، عامل بني أمية فكان يرزقه في كل شهر مئة درهم . قال أبو زرعة : هو صالح ، ليس بأقوى ما يكون . وقال أبو حاتم : محله الصدق ، وكان سيئ الحفظ ، شغل بالقضاء ، فساء حفظه ، لا يتهم ، إنما ينكر عليه كثرة الخطأ ، يكتب حديثه ، ولا يحتج به ، هو وحجاج بن أرطاة ما أقربهما . وقال النسائي : ليس بالقوي ، وقال الدارقطني : ردئ الحفظ ، كثير الوهم . وقال أبو أحمد الحاكم : عامة أحاديثه مقلوبة . ابن خراش : حدثنا إسحاق بن إبراهيم شاذان ، عن سعد بن الصلت ، قال : كان ابن أبي ليلى لا يجيز قول من لا يشرب النبيذ ( 1 ) . قلت : هذا غلو .
هامش
( 1 ) معظم الكوفيين ، ومنهم ابن أبي ليلى ، يقولون بحلية نبيذ الحنطة ، والتين ، والشعير ، والذرة ، والعسل نقيعها ومطبوخها ، وإنما يحرم عندهم المسكر منه ، ويحد فيه إذا شرب الكثير فأسكره . وهو قول مجانب للصواب ، مباين لما جاء عن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، من الأحاديث الصحيحة في هذا الباب . فقد صح عنه ، صلى الله عليه وسلم ، من حديث جابر : " ما أسكر كثيره فقليله حرام " أخرجه أبو داود ( 3681 ) ، والترمذي ( 1866 ) ، وابن ماجة ( 3391 ) وحسنه الترمذي ، وصححه ابن حبان ( 1385 ) ، وأخرج البخاري 8 / 50 ، ومسلم 3 / 1586 ، رقم الحديث ( 70 ) من حديث عائشة عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " كل شراب أسكر فهو حرام " وفي " الموطأ " 2 / 845 ، والبخاري 10 / 35 ، ومسلم ( 2001 ) عنها رضي الله عنها أنها قالت : سئل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، عن البتع فقال : " كل شراب أسكر حرام " والبتع : نبيذ العسل . وروى البخاري 10 / 39 عن ابن عمر قال : خطب عمر رضي الله عنه ، على منبر رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فقال : إنه قد نزل تحريم الخمر ، وهي من خمسة أشياء : العنب ، والتمر ، والحنطة ، والشعير ، والعسل . والخمر ما خامر العقل " ففي هذه الأحاديث دليل واضح على بطلان قول من زعم أن الخمر إنما هي عصير العنب أو الرطب النئ الشديد منه ، وعلى فساد قول من زعم ألا خمر إلا من العنب ، أو الزبيب أو الرطب ، أو التمر . بل كل مسكر خمر ، وأن الخمر ما يخامر العقل . وتخصيص الأشياء الخمسة الواردة في أثر عمر بالذكر ليس لان الخمر لا تكون إلا منها ، بل كل ما كان في معناها : من ذرة وسلت وغيرهما فحكمه حكمها . وتخصيصها بالذكر لكونها معهودة في ذلك الزمان . وفي قوله " ما أسكر كثيره فقليله حرام " دليل على أن التحريم في جنس المسكر ، ولا يتوقف على السكر ، بل الشربة الأولى منه ، في التحريم ولزوم الحد مثل الشربة الأخيرة التي يحصل منها السكر ، لان جميع أجزائه في المعاونة على السكر سواء . وفي " الموطأ " 2 / 842 بسند صحيح عن السائب بن يزيد ، أن عمر قال : إني وجدت من فلان ريح شراب ، فزعم أنه شرب الطلاء ، وأنا سائل عم شرب ، فإن كان يكسر جلدته ، فجلده الحد تاما . وقال علي رضي الله عنه : لا أوتى بأحد شرب خمرا ، ولا نبيذا مسكرا إلا جلدته الحد . وأما النبيذ المباح ، الذي ورد في الحديث الصحيح ، فهو أن ينقع في الماء تمرات من الليل ، ثم يشرب في الصباح ، وسمي نبيذا لأنه ينبذ في الاناء : أي يطرح فيه . فالنبيذ المباح هو النقيع ما لم يشتد ، فإذا اشتد وغلا حرم .