حميد عن جرير بن عبد الحميد : رأيت ابن أبي ليلى يخضب بالسواد .
قال العجلي : كان فقيها ، صاحب سنة ، صدوقا ، جائز الحديث . وكان
قارئا للقرآن ، عالما به . قرأ عليه حمزة الزيات فكان يقول : إنا تعلمنا جودة
القراءة عند ابن أبي ليلى . وكان من أحسب الناس ، ومن أنقط الناس
للمصحف ، وأخطه بقلم . وكان جميلا نبيلا . وأول من استقضاء على الكوفة
الأمير يوسف بن عمر الثقفي ، عامل بني أمية فكان يرزقه في كل شهر مئة
درهم .
قال أبو زرعة : هو صالح ، ليس بأقوى ما يكون . وقال أبو حاتم : محله
الصدق ، وكان سيئ الحفظ ، شغل بالقضاء ، فساء حفظه ، لا يتهم ، إنما
ينكر عليه كثرة الخطأ ، يكتب حديثه ، ولا يحتج به ، هو وحجاج بن أرطاة ما
أقربهما . وقال النسائي : ليس بالقوي ، وقال الدارقطني : ردئ الحفظ ، كثير
الوهم . وقال أبو أحمد الحاكم : عامة أحاديثه مقلوبة .
ابن خراش : حدثنا إسحاق بن إبراهيم شاذان ، عن سعد بن الصلت ،
قال : كان ابن أبي ليلى لا يجيز قول من لا يشرب النبيذ ( 1 ) . قلت : هذا غلو .
هامش
( 1 ) معظم الكوفيين ، ومنهم ابن أبي ليلى ، يقولون بحلية نبيذ الحنطة ، والتين ،
والشعير ، والذرة ، والعسل نقيعها ومطبوخها ، وإنما يحرم عندهم المسكر منه ، ويحد فيه
إذا شرب الكثير فأسكره . وهو قول مجانب للصواب ، مباين لما جاء عن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ،
من الأحاديث الصحيحة في هذا الباب . فقد صح عنه ، صلى الله عليه وسلم ، من حديث جابر : " ما أسكر
كثيره فقليله حرام " أخرجه أبو داود ( 3681 ) ، والترمذي ( 1866 ) ، وابن ماجة ( 3391 ) وحسنه
الترمذي ، وصححه ابن حبان ( 1385 ) ، وأخرج البخاري 8 / 50 ، ومسلم 3 / 1586 ، رقم
الحديث ( 70 ) من حديث عائشة عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " كل شراب أسكر فهو حرام " وفي
" الموطأ " 2 / 845 ، والبخاري 10 / 35 ، ومسلم ( 2001 ) عنها رضي الله عنها أنها قالت :
سئل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، عن البتع فقال : " كل شراب أسكر حرام " والبتع : نبيذ العسل .
وروى البخاري 10 / 39 عن ابن عمر قال : خطب عمر رضي الله عنه ، على منبر رسول الله ،
صلى الله عليه وسلم ، فقال : إنه قد نزل تحريم الخمر ، وهي من خمسة أشياء : العنب ، والتمر ، والحنطة ،
والشعير ، والعسل . والخمر ما خامر العقل " ففي هذه الأحاديث دليل واضح على بطلان
قول من زعم أن الخمر إنما هي عصير العنب أو الرطب النئ الشديد منه ، وعلى فساد قول
من زعم ألا خمر إلا من العنب ، أو الزبيب أو الرطب ، أو التمر . بل كل مسكر خمر ، وأن
الخمر ما يخامر العقل . وتخصيص الأشياء الخمسة الواردة في أثر عمر بالذكر ليس لان
الخمر لا تكون إلا منها ، بل كل ما كان في معناها : من ذرة وسلت وغيرهما فحكمه
حكمها . وتخصيصها بالذكر لكونها معهودة في ذلك الزمان . وفي قوله " ما أسكر كثيره
فقليله حرام " دليل على أن التحريم في جنس المسكر ، ولا يتوقف على السكر ، بل الشربة
الأولى منه ، في التحريم ولزوم الحد مثل الشربة الأخيرة التي يحصل منها السكر ، لان
جميع أجزائه في المعاونة على السكر سواء . وفي " الموطأ " 2 / 842 بسند صحيح عن
السائب بن يزيد ، أن عمر قال : إني وجدت من فلان ريح شراب ، فزعم أنه شرب الطلاء ،
وأنا سائل عم شرب ، فإن كان يكسر جلدته ، فجلده الحد تاما . وقال علي رضي الله عنه : لا
أوتى بأحد شرب خمرا ، ولا نبيذا مسكرا إلا جلدته الحد .
وأما النبيذ المباح ، الذي ورد في الحديث الصحيح ، فهو أن ينقع في الماء تمرات من
الليل ، ثم يشرب في الصباح ، وسمي نبيذا لأنه ينبذ في الاناء : أي يطرح فيه . فالنبيذ
المباح هو النقيع ما لم يشتد ، فإذا اشتد وغلا حرم .