قلت : ما تركوا عكرمة - مع علمه - وشيعوا كثيرا إلا عن بلية كبيرة في
نفوسهم له رضي الله عنه .
وروى يحيى بن بكير ، عن الدراوردي قال : مات عكرمة وكثير عزة في يوم
واحد فما شهدهما إلا سودان المدينة .
وقال نوح بن حبيب : ماتا في يوم ، فقال الناس : مات فقيه الناس ،
وشاعر الناس .
البخاري وغيره ، عن علي بن المديني قال : مات عكرمة بالمدينة سنة
أربع ومئة ، رواها يعقوب الفسوي عن علي فزاد ، قال : فما حمله أحد ، اكتروا
له أربعة .
وقال علي بن عبد الله التميمي ، ومصعب بن عبد الله ، وابن نمير ،
والفلاس ، وأبو عبيد ، وشباب ، وابن يونس ، مات سنة خمس ومئة . وكذا نقل
أبو الحسن بن البراء عن ابن المديني . قال التميمي وابن يونس : وهو ابن
ثمانين سنة .
وقال الواقدي : حدثتني بنته أم داود أنه توفي سنة خمس ومئة .
وقال الهيثم بن عدي وأبو عمر الضرير : مات سنة ست ومئة ، والأصح
سنة خمس .
وقال أبو معشر السندي ، وأبو نعيم ، وابن أبي شيبة ، وأخوه عثمان ،
وهارون بن حاتم ، وقعنب بن المحرر : مات سنة سبع ومئة ، وقيل غير ذلك .
خرج له مسلم مقرونا بطاووس في الحج ، فالذين أهدروه كبار ، والذين
احتجوا به كبار ( 1 ) والله أعلم بالصواب .
هامش
( 1 ) قال أبو جعفر بن جرير الطبري : ولم يكن أحد يدفع عكرمة عن التقدم في العلم بالفقه
والقرآن وتأويله ، وكثرة الرواية للآثار ، وأنه كان عالما بمولاه ، وفي تقريظ جلة أصحاب ابن عباس
إياه ، ووصفهم له بالتقدم في العلم ، وأمرهم الناس بالأخذ عنه ما بشهادة بعضهم تثبت عدالة
الانسان ، ويستحق جواز الشهادة ، ومن ثبتت عدالته ، لم يقبل فيه الجرح ، وما تسقط العدالة بالظن ،
وبقول فلان لمولاه : لا تكذب علي وما أشبهه من القول الذي له وجوه وتصاريف ومعان غير الذي وجهه
إليه أهل الغباوة ، ومن لا علم له بتصاريف كلام العرب .
وقال ابن مندة في " صحيحه " : وأما حال عكرمة في نفسه ، فقد عدله أمة من نبلاء التابعين ،
فمن بعدهم ، وحدثوا عنه ، واحتجوا بمقاريده في الصفات والسنن والاحكام ، روى عنه زهاء ثلاث مئة
رجل من البلدان منهم زيادة على سبعين رجلا من خيار التابعين ورفعائهم ، وهذه منزلة لا تكاد توجد
لكثير من التابعين على أن من جرحه من الأئمة لم يمسك من الرواية عنه ، ولم يستغنوا عن حديثه ،
وكان يتلقى حديثه بالقبول ، ويحتج به قرنا بعد قرن ، وإماما بعد إمام إلى وقت الأئمة الأربعة الذين
أخرجوا الصحيح ، وميزوا ثابته من سقيمه ، وخطأه من صوابه ، وأخرجوا روايته ، وهم البخاري ،
ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، فأجمعوا على إخراج حديثه ، واحتجوا به على أن مسلما كان أسوأهم
رأيا فيه ، وقد أخرج عنه مقرونا وعدله بعدما جرحه .