وعن محمد بن جبير أن الذي أقام الحج ابن الزبير . وحج ابن الحنفية
في الخشبية ( 1 ) أربعة آلاف نزلوا في الشعب الأيسر من منى ، فخفت الفتنة ،
فجئت ابن الحنفية ، فقلت : يا أبا القاسم اتق الله ، فإنا في مشعر حرام ، في
بلد حرام ، والناس وفد الله ، فلا تفسد عليهم حجهم ، فقال : والله ما أريد
ذلك ، ولكني أدفع عن نفسي ، وما أطلب هذا الامر إلا أن لا يختلف علي فيه
اثنان ، فائت ابن الزبير وكلمه ، وعليك بنجدة فكلمه . فجئت ابن الزبير فقال :
أنا أرجع ! قد اجتمع علي وبايعني الناس . وهؤلاء أهل خلاف . قلت : إن
خيرا لك الكف . قال : أفعل . ثم جئت نجدة الحروري ، فأجده في أصحابه
وعكرمة عنده . فقلت : استأذن لي عليه . قال : فدخل فلم ينشب ( 2 ) أن أذن
لي ، فدخلت ، فعظمت عليه وكلمته ، فقال : أما أن أبتدئ أحدا بقتال ، فلا .
قلت : إني رأيت الرجلين لا يريدان قتالك . ثم جئت شيعة بني أمية ،
فكلمتهم ، فقالوا : لا نقاتل ، فلم أر في تلك الألوية أسكن من أصحاب ابن
الحنفية . ووقفت تلك العشية إلى جنبه ، فلما غابت الشمس ، التفت إلي ،
فقال : يا أبا سعيد ادفع ، فدفعت معه ، فكان أول من دفع ( 3 ) .
قال خليفة ( 4 ) : في سنة خمس وستين دعا ابن الزبير ابن الحنفية إلى
بيعته ، فأبى ، فحصره في شعب بني هاشم وتوعدهم ، حتى بعث المختار أبا
عبد الله الجدلي إلى ابن الحنفية في أربعة آلاف سنة ست ، فأقاموا معه حتى
قتل المختار في رمضان سنة سبع وستين ( 5 ) .
هامش
( 1 ) الخشبية : هم أصحاب المختار بن عبيد الثقفي المتقلب الذي لم يوقف له على مذهب ،
وانظر في سبب تسميتهم بالخشبية ما نقله شارح القاموس مادة : خشب عن البلاذري في " الأنساب " .
( 2 ) أي لم يلبث .
( 3 ) ابن سعد 5 / 103 ، وابن عساكر 15 / 370 آ .
( 4 ) في تاريخه ص 262 .
( 5 ) وقيل غير ذلك ، وانظر 123 من هذا الجزء .