قال ابن النجار : دانت للناصر السلاطين ، ودخل تحت طاعته
المخالفون ، وذلت له العتاة ، وانقهرت بسيفه البغاة ، واندحض أضداده ،
وفتح البلاد العديدة ، وملك ما لم يملكه غيره ، وخطب له بالأندلس
وبالصين ، وكان أسد بني العباس تتصدع لهيبته الجبال ، وتذل لسطوته
الأقيال ، وكان حسن الخلق ، أطيف الخلق ، كامل الظرف ، فصيحا بليغا ، له
التوقيعات المسددة والكلمات المؤيدة ، كانت أيامه غرة في وجه الدهر ،
ودرة في تاج الفخر ( 1 ) .
حدثني الحاجب علي بن محمد بن جعفر قال : برز منه توقيع إلي صدر
المخزن ( 2 ) جلال الدين ابن يونس : " لا ينبغي لأرباب هذا المقام أن يقدموا
على أمر لم ينظروا في عاقبته ، فإن النظر قبل الاقدام خير من الندم بعد
الفوات ، ولا يؤخذ البرآء بقول الأعداء ، فلكل ناصح كاشح ، ولا يطالب
بالأموال من لم يخن في الأعمال ، فإن المصادرة مكافأة للظالمين ، وليكن
العفاف والتقى رقيبين عليك " . وبرز منه توقيع : " قد تكرر تقدمنا إليك مما
افترضه الله علينا ويلزمنا القيام به كيف يهمل حال الناس حتى تم عليهم ما قد
بين في باطنها ، فتنصف الرجل وتقابل العامل إن لم يفلج بحجة شرعية " .
قال القاضي ابن واصل ( 3 ) : كان الناصر شهما شجاعا ذا فكرة صائبة
وعقل رصين ومكر ودهاء ، وكانت هيبته عظيمة جدا ، وله أصحاب أخبار
بالعراق وسائر الأطراف يطالعونه بجزئيات الأمور ( 4 ) حتى ذكر أن رجلا ببغداد
هامش
( 1 ) في الأصل : " الفجر " وليس بشئ ، والتصحيح من خط المؤلف في " تاريخ
الاسلام " .
( 2 ) صدر المخزن : يشبه وزير المالية في عصرنا ، أو مدير الخزانة .
( 3 ) مفرج الكروب : 4 / 163 بتصرف - على عادته .
( 4 ) " وكلياتها " كما في مفرج الكروب .