والذي نستخلصه من هذه الإشارات ، انّ اللّه ( سبحانه ) يغفر للإنسان ذنوبه ومعاصيه على أثر توبته ، وقد سبق ان ذكرنا في فصل « تجسّم الأعمال » انّ ذنوب الإنسان تتجسّم فترافق الإنسان بعد موته وتحشر معه ، ومن هنا يمكن للمرء أن يسأل : ماذا سيكون مصير الأعمال المتجسّمة بعد التوبة ، لا سيما انّ أعمال الإنسان لا تنفى ولا تعدم ، كما تقدّم ؟
وفي الإجابة على هذا السؤال وجهتا نظر ، نشير إليهما كما يلي :
الرأي الأوّل : ممّن يذهب إليه من العلماء المعاصرين العلّامة الشيخ محمد حسين الأصفهاني ( رحمه اللّه ) ، حيث يرى هذا الرجل الربّاني ، انّ ذنوب الإنسان التائب تنفصل عنه بالتوبة ، بحيث تبتعد عنه الأعمال السيّئة التي تجسّمت بصور تناسب المعاصي .
وهذا هو ما يودّه الإنسان المذنب في القيامة ، حيث يرغب ان تبتعد عنه ذنوبه وأن يكون بينه وبينها أمدا بعيدا ، وهذا الذي يمتنع حصوله هناك .
يقول تعالى في ذلك : « يوم تجد كلّ نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تودّ لو أنّ بينها وبينه أمدا بعيدا » « 1 » .
الذي عليه رأي المحقّق الاصفهاني اذن انّ التوبة تفصل بين الإنسان وبين أعماله السيّئة وذنوبه ، بحيث لا تكون هذه الأعمال والذنوب باعثا على عذابه .
والاصفهاني ( رحمه اللّه ) يفسّر غفران الذنوب أيضا بهذا الأسلوب .
الرأي الثاني : ويذهب إليه استاذنا الكبير الخميني الذي يرى انّ التوبة تمحو الذنوب وتفنيها ، بحيث تمحى معها صحائف المعاصي السوداء وتطهّر بماء التوبة .
ومعنى هذا الكلام انّ الصور المجسّمة للذنوب والتي تحشر في يوم القيامة مع الإنسان وترافقه بصورة الكلب والأفعى والعقرب والزقوم والحميم وسلاسل النار وأصفادها ، تفنى بالتوبة وتعدم ، وتطفأ عن التائب نيران جهنّم .
هامش
( 1 ) آل عمران : 30 .