أقبلت إلى مكة ، فجعلت لا أعرفه وأكره أن أسأل عنه ، وأشرب من ماء
زمزم ، وأكون في المسجد . فمر علي بن أبي طالب ، فقال : هذا رجل
غريب ؟ قلت : نعم . قال : انطلق إلى المنزل . فانطلقت معه ، لا أسأله
عن شئ ، ولا يخبرني !
فلما أصبح الغد ، جئت إلى المسجد لا أسأل عنه ، وليس أحد يخبرني
عنه بشئ . فمر بي علي ، فقال : أما آن للرجل أن يعود ؟ قلت : لا .
قال : ما أمرك ، وما أقدمك ؟ قلت : إن كتمت علي أخبرتك ؟ قال : أفعل .
قلت : قد بلغنا أنه قد خرج نبي . قال : أما قد رشدت ! هذا وجهي إليه ،
فاتبعني وادخل حيث أدخل ، فإني إن رأيت أحدا أخافه عليك ، قمت إلى
الحائط كأني أصلح نعلي ! وامض أنت .
فمضى ، ومضيت معه ، فدخلنا على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقلت : يا رسول
الله ، اعرض علي الاسلام . فعرض علي ، فأسلمت مكاني . فقال لي : يا
أبا ذر ، اكتم هذا الامر ، وارجع إلى قومك ! فإذا بلغك ظهورنا ، فأقبل .
فقلت : والذي بعثك بالحق ، لأصرخن بها بين أظهرهم .
فجاء إلى المسجد وقريش فيه ، فقال : يا معشر قريش ، إني أشهد أن
لا إله إلا الله ، وأن محمد عبده ورسوله . فقالوا : قوموا إلى هذا الصابئ .
فقاموا ، فضربت لأموت ! فأدركني العباس ، فأكب علي ، وقال : ويلكم
تقتلون رجلا من غفار ، ومتجركم وممركم على غفار ! فأطلقوا عني . فلما
أصبحت ، رجعت ، فقلت مثل ما قلت بالأمس . فقالوا : قوموا إلى هذا
الصابئ ! فصنع بي كذلك ، وأدركني العباس ، فأكب علي .
فهذا أول إسلام أبي ذر .
سير أعلام النبلاء — صفحة 54
مساهمون: الذهبي
ص٥٤