وقال إبراهيم بن مهدي بن قلينا : كان شيخنا أبو بكر زهده وعبادته
أكثر من علمه ، وحكى بعض العلماء أن أبا بكر الطرطوشي أنجب عليه
نحو من مئتي فقيه مفتي ، وكان يأتي إلى الفقهاء وهم نيام ، فيضع في
أفواههم الدنانير ، فيهبون ، فيرونها في أفواههم .
قال القاضي شمس الدين ابن خلكان : دخل الطرطوشي على
الأفضل ابن أمير الجيوش بمصر ، فبسط تحته مئزره ، وكان إلى جانب
الأفضل نصراني ، فوعظ الأفضل حتى أبكاه ( 1 ) ، ثم أنشده :
يا [ ذا ] الذي طاعته قربة * وحقه مفترض واجب
إن الذي شرفت من أجله * يزعم هذا أنه كاذب
وأشار إلى ذلك النصراني ، فأقام الأفضل النصراني من موضعه .
وقد صنف أبو بكر كتاب " سراج الملوك " ( 2 ) للمأمون بن البطائحي
هامش
( 1 ) فكان مما قال له كم في " نفح الطيب " : 2 / 87 : إن الامر الذي أصبحت فيه من
الملك إنما صار إليك بموت من كان قبلك ، وهو خارج عنك بمثل ما صار إليك ، فاتق الله
فيما خولك من هذه الأمة ، فإن الله عز وجل سائلك عن النقير والقطمير والفتيل ، واعلم أن
الله عز وجل آتي سليمان بن داود ملك الدنيا بحذافيرها ، فسخر له الإنس والجن والشياطين
والطير والوحش والبهائم ، وسخر له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب ، ورفع عنه حساب
ذلك أجمع ، فقال عز من قائل : * ( هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب ) * فما عد ذلك
نعمة كما عددتموها ، ولا حسبها كرامة كما حسبتموها ، بل خاف أن يكون استدراجا من الله عز
وجل ، فقال : * ( هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ) * فافتح الباب ، وسهل الحجاب ،
وانصر المظلوم .
( 2 ) وهو من أمتع الكتب ، وأجودها في بابها ، وكفى به دليلا على فضله ، يقال : إنه
كتب على اللوحة الأولى منه هذان البيتان :
الناس يهدون على قدرهم * لكنني أهدي على قدري
يهدون ما يفنى وأهدي الذي * يبقى على الأيام والدهر