ارتحل في حدود الأربع مئة إلى طرابلس وبها كتب كثيرة ، واجتاز
باللاذقية ، فنزل ديرا به راهب متفلسف ، فدخل كلامه في مسامع أبي
العلاء ، وحصلت له شكوك لم يكن له نور يدفعها ، فحصل له نوع انحلال
دل عليه ما ينظمه ويلهج به . ويقال : تاب من ذلك وارعوى ( 1 ) .
وقد سارت الفضلاء إلى بابه ، وأخذوا عنه .
وكان أخذ اللغة عن أبيه ، وبحلب عن محمد بن عبد الله بن سعد
النحوي .
وكانت غلته في العام نحو ثلاثين دينارا ، أفرز منها نصفها لمن
يخدمه .
وكان غذاؤه العدس ونحوه ، وحلواه التين ، وثيابه القطن ، وفراشه
لباد وحصير بردي ( 2 ) ، وفيه قوة نفس ، وترك للمنن ، عورض في وقفه ،
فسافر إلى بغداد يتظلم في سنة تسع وتسعين ، وحدث بها بسقط الزند ( 3 ) .
يقال : كان يحفظ كل ما مر بسمعه ، ويلازم بيته ، وسمى نفسه رهن
المحبسين ، للزومه منزله وللعمى ، وقال الشعر في حداثته ، وكان يملي
تصانيفه على الطلبة من صدره ( 4 ) .
خرج صالح بن مرداس ملك حلب ( 5 ) ، فنازل المعرة يحاصرها ،
هامش
( 1 ) الخبر بنحوه في " إنباه الرواة " 1 / 49 . وانظر ما كتبه الأستاذ العلامة محمود شاكر في كتابه
العظيم " أباطيل وأسمار " في نقد هذا الخبر وابطاله ص 32 - 80 .
( 2 ) البردي : نبات تصنع منه الحصر ، واحدته بردية ، ويعرف في بلاد الشام " معجم متن
اللغة " .
( 3 ) انظر " إنباه الرواة " 1 / 49 - 50 .
( 4 ) " معجم الأدباء " 3 / 124 .
( 5 ) مرت ترجمته في الجزء السابع عشر برقم ( 236 ) .