القصر ، فقالت : يا منصور ! يفرح الناس وأبكي ؟ إن ابني أسير في بلاد
الروم . فثنى عنانه وأمر الناس بغزو الجهة التي فيها ابنها .
وقد عصاه مرة ولد له ، فهرب ، ولجأ إلى ملك سمورة ، فغزاها
المنصور ، وحاصرها ، وحلف ألا يرحل إلا بابنه ، فسلموه إليه ، فأمر
بقتله ، فقتل بقرب سمورة .
ومن رجلة المنصور : أنه أحيط به في مدينة فتة ، فرمى بنفسه من أعلى
جبلها ، وصار في عسكره ، فبقي مفدع ( 1 ) القدمين لا يركب ، إنما يصنع له
محمل على بغل يقاد به في سبع غزوات وهو بضعة لحم ، فانظر إلى هذه
الهمة العلية ، والشجاعة الزائدة .
وكان موته آخر الصلاح وأول الفساد بالأندلس ، لان أفعاله كانت
حسنة في الحال ، فاسدة في المآل ، فكانت قبله القبائل ، كل قبيلة في
مكان ، فإذا كان غزو ، وضعت الخلفاء على كل قبيلة عددا ، فيغزون ، فلما
استولى المنصور ، أدخل من صنهاجة ونفزن عشرين ألفا إلى الأندلس ،
وشتت العرب عن مواضعها ، وأخملهم ، وأبقى على نفسه لكونه ليس من
بيوت الملك ، ثم قتل في بني أمية جماعة ، واحتاط على المؤيد ، ومنعه من
الاجتماع بأحد ، وربما أخرجه لهم في يوم العيد للهناء ، فلما مات المنصور
وابنه المظفر أبو مروان ، انخرم النظام ، وشرع الفساد ، وهلك الناس ، فقام
شنجول وطغى وبغى ، وفعل العظائم ، والمؤيد بالله تحت الاحتجار ،
فدس على المؤيد من خوفه وهدده ، وأعلمه أنه عازم على قتله إن لم يوله
عهده ، ثم أمر شنجول القضاة والاعلام بالمثول إلى القصر الذي بالزهراء ،
هامش
( 1 ) الفدع محركة : عوج وميل في المفاصل ، كأن المفاصل قد زالت عن مواضعها ، لا
يستطاع بسطها معه ، وأكثر ما يكون في الرسغ من اليد والقدم .