وتلقب بالمنصور ، واتخذ الوزراء لنفسه ، وبقي المؤيد معه صورة بلا
معنى ، لان المؤيد كان أخرق ، ضعيف الرأي ، وكان للمنصور نكاية عظيمة
في الفرنج ، وله مجلس في الأسبوع يجتمع إليه فيه الفضلاء للمناظرة ،
فيكرمهم ويحترمهم ويصلهم ، ويجيز الشعراء ، افتتح عدة أماكن ، وملا
الأندلس سبيا وغنائم ، حتى بيعت بنت عظيم من عظماء الروم ذات حسن
وجمال بعشرين دينارا ، وكان إذا فرغ من قتال العدو ، نفض ما عليه من غبار
المصاف ، ثم يجمعه ويحتفظ به ، فلما احتضر أمر بما اجتمع له من ذلك بأن يذر
على كفنه ، وغزا نيفا وخمسين غزوة ، وتوفي مبطونا شهيدا وهو بأقصى
الثغر ، بقرب مدينة سالم ، سنة ثلاث وتسعين وثلاث مئة .
وكان أول شئ حاجبا للمؤيد بالله ، فكان يدخل عليه القصر ،
ويخرج فيقول : أمر أمير المؤمنين بكذا ، ونهى عن كذا . فلا يخالفه أحد ،
ولا يعترض عليه معترض ، وكان يمنع المؤيد من الاجتماع بالناس ، وإذا
كان بعد مدة ركبه ، وجعل عليه برنسا ، وألبس جواريه مثله ، فلا يعرف
المؤيد من بينهن ، فكان يخرج يتنزه في الزهراء ، ثم يعود إلى القصر على
هذه الصفة .
ولما توفي الحاجب ابن أبي عامر ، قام في منصبه ابنه الملقب
بالمظفر : أبو مروان عبد الملك بن محمد . وجرى على منوال والده ، فكان
ذا سعد عظيم ، وكان فيه حياء مفرط يضرب به المثل ، لكنه كان من
الشجعان المذكورين ، فدامت الأندلس في أيامه في خير وخصب وعز إلى أن
مات في صفر ، سنة تسع وتسعين وثلاث مئة ( 1 ) .
هامش
( 1 ) انظر " نفح الطيب " 1 / 423 ، و " الكامل " 8 / 678 ، و " الذخيرة " ق 4 / ج 1 /
78 - 86 .