فتفقه به الأستاذ أبو حامد الأسفراييني وجماعة . وانتهى إليه معرفة
المذهب . وله وجوه معروفة ، منها : أنه لا يجوز السلم في الدقيق ( 1 ) .
وكان أبو حامد يقول : ما رأيت أفقه منه .
قال ابن خلكان : كان يتهم بالاعتزال ، وكان ربما يختار في
الفتوى ( 2 ) ، فيقال له في ذلك ، فيقول : ويحكم ! [ حدث ] فلان عن
فلان ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا وكذا ، والاخذ
بالحديث أولى من الاخذ بقول الشافعي وأبي حنيفة ( 3 ) .
قلت : هذا جيد ، لكن بشرط أن يكون قد قال بذلك الحديث إمام
من نظراء هذين الامامين مثل مالك ، أو سفيان ، أو الأوزاعي ، وبأن
يكون الحديث ثابتا سالما من علة ، وبأن لا يكون حجة أبي حنيفة
والشافعي حديثا صحيحا معارضا للآخرة . أما من أخذ بحديث
صحيح وقد تنكبه سائر أئمة الاجتهاد ، فلا ، كخبر : " فإن شرب
في الرابعة فاقتلوه " ( 4 ) ، وكحديث " لعن الله السارق ، يسرق البيضة ،
هامش
( 1 ) قال النووي : " ومن غرائب الداركي أنه قال : لا يجوز السلم في الدقيق . حكاه
الرافعي ، والمشهور الجواز " . انظر " تهذيب الأسماء واللغات " : 2 / 264 .
( 2 ) لفظ ابن خلكان : " وربما أفتى على خلاف مذهب الامامين الشافعي وأبي حنيفة . . "
( 3 ) " وفيات الأعيان " : 3 / 189 ، وما بين حاصرتين منه .
( 4 ) حديث صحيح ، وقد تقدم تخريجه ، والجمهور من أهل العلم على أنه منسوخ ،
فقد فقال الترمذي في سننه 4 / 49 بعد الحديث رقم ( 1444 ) : وإنما كان في أول الأمر ، ثم
نسخ بعد ، هكذا روى محمد بن إسحاق ، عن محمد المنكدر ، عن جابر ، عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال : " إن شرب الخمر ، فاجلدوه ، فإن عاد في الرابعة ، فاقتلوه " قال : ثم أتي
النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك برجل قد شرب في الرابعة ، فضربه ، ولم يقتله ، وكذا روى
الزهري ، عن قبيصة بن ذؤيب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا ، قال : فرفع القتل ،
وكان رخصة ، والعمل على هذا الحديث عند عامة أهل العلم ، لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك ،
في القديم والحديث ، ومما يقوي هذا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من أوجه كثيرة أنه
قال : " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله ، إلا بإحدى ثلاث :
النفس بالنفس ، والثيب الزاني ، والتارك لدينه " .