وقيل : إن المزني [ صاحب الشافعي ] أتاه ، فلما خرج ، قيل له [ كيف
رأيته ] ؟ فقال : لم أر أعلم منه ، ولا أحد ذهنا - على حداثة سنه - ( 1 )
وألف كتاب : " الإمامة " ، فقيل كتبوه ونفذوه إلى المتوكل .
وكان ذا تعبد وتواضع ورباط ، وصدع بالحق .
وناظر ( 2 ) شيخا معتزليا ، فقال : يا شيخ ! المخلوق يذل لخالقه ؟
فسكت ، فقال : إن قلت بالذلة على القرآن ، فقد خالفت قوله تعالى : * ( وإنه
لكتاب عزيز ) * [ فصلت : 41 ] .
وسئل ابن عبدوس عن الايمان : أمخلوق هو ، أم غير مخلوق ؟ فلم
هامش
( 1 ) انظر : رياض النفوس : 1 / 346 . والزيادة منه .
( 2 ) ذكر صاحب " رياض النفوس " المناظرة 1 / 350 - 351 ، ونصها : " وحضر محمد
ابن سحنون يوما عند علي بن حميد الوزير ، وكان علي يبغيه ، وكان يجل محمدا ويعظمه
ويكبره ، وكان في مجلسه جماعة ممن يحسنون المناظرة ، وأحضر معهم شيخا قدم من المشرق ،
يقال له : أبو سليمان النحوي ، صاحب الكسائي الصغير ، وكان يقول بخلق القرآن ، ويذهب
إلى الاعتزال ، فقال علي بن حميد الوزير لمحمد : يا أبا عبد الله ! إن هذا الشيخ وصل إلينا من
المشرق ، وقد تناظر معه هؤلاء ، فناظره أنت . فقال محمد : تقول أيها الشيخ أو تسمع ؟ فقال له
الشيخ : قل يا بني . فقال محمد : أرأيت كل مخلوق هل يذل لخالقه ؟ فسكت الشيخ ، ولم يحر
جوابا ، ومضى وقت طويل ، وانحصر ، ولم يأت بشئ . فقال له محمد : كم سنة أتت عليك
أيها الشيخ ؟ فقال له : ثمانون سنة . فقال ابن سحنون للوزير ابن حميد : قد اختلف أهل العلم
في الصلاة على الميت بعد سنة من يوم موته ، فقال بعضهم : يصلى عليه ، وأجمعوا أنه إذا جاوز
السنة لا يصلى عليه . وهذا الشيخ له ثمانون سنة ميت في عداد الموتى ، فقد سقطت الصلاة عليه
بإجماع . ثم قام . فسر بذلك علي بن حميد وأهل المجلس .
فسئل ابن سحنون : أن يبين لهم معنى سؤاله هذا . فقال : إن قال : إن كل مخلوق يذل
لخالقه ، فقد كفر ، لأنه جعل القرآن ذليلا ، لأنه يذهب إلى أنه مخلوق ، وقد قال الله عز وجل :
( وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) وإن قال : إنه لا يذل ،
فقد رجع إلى مذهب أهل السنة ، لأنه لا يذهب في هذه الحالة إلى أنه مخلوق الذي هو صفة من
صفاته " .