وهاجت الفتنة الكبرى بالعراق ، فتنكر الترك للمستعين ، فخاف ،
وتحول إلى بغداد ، فنزل بالجانب الغربي على نائبه ابن طاهر ، فاتفق
الأتراك بسامراء ، وبعثوا يعتذرون ، ويسألونه الرجوع ، فأبى عليهم ،
فغضبوا ، وقصدوا السجن ، وأخرجوا المعتز بالله ، وبايعوا له ، وخلعوا
المستعين ، وبنوا أمرهم على شبهة ، وهي أن المتوكل عقد للمعتز بعد
المنتصر ، فجهز المعتز أخاه أبا أحمد لمحاربة المستعين ، وتهيأ المستعين
وابن طاهر للحصار ، وإصلاح السور ، وتجرد أهل بغداد للقتل ، ونصبت
المجانق ، ووقع الجد ، ودام البلاء أشهرا ، وكثرت القتلى ، واشتد
القحط ، وتمت بينهما عدة وقعات ، بحيث إنه قتل في نوبة من جند المعتز
ألفان ، إلى أن ضعف أهل بغداد وذلوا وجاعوا ، وتعثروا ( 1 ) . فما أصبرهم
على الشر والفتن ، وقوي أمر المعتزية ، فكاتب ابن طاهر في السر
المعتز ، وانحل نظام المستعين ، وإنما كان قوام أمره بابن طاهر ، وكاشفه
الناس ، فتحول إلى الرصافة ، ثم سعى الناس في الصلح ، وخلع
المستعين ، فأقام في ذلك إسماعيل القاضي وغيره بشروط وثيقة ، فأذعن
بخلع نفسه في أول سنة اثنتين وخمسين ، وأشهد عليه ، فأحدر بعد خلعه
تحت الحوطة إلى واسط ، فاعتقل بها تسعة أشهر ، ثم حول إلى سامراء ،
فقتل بقادسية سامراء في ثالث شوال من السنة ( 2 ) . وقيل : قتل ليومين بقيا
من رمضان ، وله إحدى وثلاثون سنة وأيام . فيقال : بعث المعتز إليه
سعيدا الحاجب ، فلما رآه المستعين تيقن التلف ، وبكى ، وقال : ذهبت
هامش
( 1 ) انظر خبر هذه الفتنة في " تاريخ الطبري " 9 / 282 وما بعدها ، و " فوات الوفيات "
1 / 140 ، و " الوافي بالوفيات " 8 / 94 ، و " تاريخ الخلفاء " : 358
( 2 ) " تاريخ بغداد " 5 / 85 ، و " الكامل " 7 / 172 ، و " فوات الوفيات " 1 / 140 ،
و " الوافي بالوفيات " 8 / 94 ، و " تاريخ ابن كثير " 11 / 11 .