قد صح عندي أن المنتصر عامل على قتلي ، فاقتله . قال : كيف بقتله
والمتوكل باق ؟ إذا يقيدكم به ، قال : فما الرأي ؟ قال : نبدأ به ، قال :
ويحك وتفعل ؟ ! قال : نعم . قال : فادخل على أثري ، فإن قتلته ، وإلا
فاقتلني ، وقل : أراد أن يقتل مولاه . فتم التدبير ، وقتل المتوكل .
وحدث البحتري قال : اجتمعنا في مجلس المتوكل ، فذكر له سيف
هندي ، فبعث إلى اليمن ، فاشتري له بعشرة آلاف ، فأعجبه . وقال
للفتح : ابغني غلاما أدفع إليه هذا السيف لا يفارقني به ، فأقبل باغر ، فقال
الفتح بن خاقان : هذا موصوف بالشجاعة والبسالة ، فأعطاه السيف ، وزاد
في أرزاقه . فما انتضى السيف إلا ليلة ، ضربه به باغر ( 1 ) ، فلقد رأيت من
المتوكل في ليلته عجبا ، رأيته يذم الكبر ، ويتبرأ منه . ثم سجد وعفر
وجهه ، ونثر التراب على رأسه ، وقال : إنما أنا عبد ، فتطيرت له ، ثم
جلس ، وعمل فيه النبيذ ، وغني صوتا أعجبه ، فبكى ، فتطيرت من بكائه .
فإنا في ذلك إذ بعثت له قبيحة خلعة استعملها دراعة حمراء من خز ومطرف
خز ، فلبسهما ، ثم تحرك في المطرف ، فانشق ، فلفه ، وقال : اذهبوا به
ليكون كفني . فقلت : إنا لله ، انقضت والله المدة . وسكر المتوكل سكرا
شديدا . ومضى من الليل إذ أقبل باغر في عشرة متلثمين تبرق أسيافهم ،
فهجموا علينا ، وقصدوا المتوكل ، وصعد باغر وآخر إلى السرير ، فصاح
الفتح : ويلكم مولاكم . وتهارب الغلمان والجلساء والندماء ، وبقي
الفتح ، فما رأيت أحدا أقوى نفسا منه ، بقي يمانعهم ، فسمعت صيحة
المتوكل إذ ضربه باغر بالسيف المذكور على عاتقه ، فقده إلى خاصرته ،
وبعج آخر الفتح بسيفه ، فأخرجه من ظهره ، وهو صابر لا يزول ، ثم طرح
هامش
( 1 ) مترجم في " الوافي بالوفيات " 10 / 71 ، 73 .