حنبل ، يقول : لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق ، وإن كان يخالفنا
في أشياء ، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضا ( 1 ) .
وقال محمد بن أسلم الطوسي ، حين مات إسحاق : ما أعلم أحدا كان
أخشى لله من إسحاق ، يقول الله تعالى : ( إنما يخشى الله من عباده
العلماء ) ( 2 ) ( فاطر : 28 ) . قال : وكان أعلم الناس . ولو كان سفيان
الثوري في الحياة ، لاحتاج إلى إسحاق .
وقال أحمد بن سعيد الرباطي : لو كان الثوري والحمادان في الحياة ،
لاحتاجوا إلى إسحاق في أشياء كثيرة .
قال أبو محمد الدارمي : ساد إسحاق أهل المشرق والمغرب بصدقه .
قال محمد بن إسحاق السراج : أنشد رجل على قبر إسحاق ، فقال :
هامش
( 1 ) وهكذا يكون عظماء الرجال في اتساع صدورهم ، وتقدير جهود غيرهم ، والإشادة
بفضلهم . فان اختلاف الأئمة المجتهدين في فهم نصوص الكتاب والسنة وما تدل عليه ظاهرة
طبيعية في شريعة الاسلام ، لان أكثر نصوصه ظنية الدلالة ، وهذا الاختلاف مما أراده الله تعالى
ورضيه ، فهو رحمة وتوسعة ومجال للتنافس والابداع . ولقد كان من أثره هذا التراث الضخم الذي
تحفل به المكاتب الاسلامية من المؤلفات المتنوعة . واختلافهم في القرآن إنما هو في بعض ما
استنبط منه من أحكام نتيجة للخلاف في فهمه ، لخفاء في دلالته بسبب من الأسباب ، كالاشتراك
في لفظه ، والتخصيص في عامه ، أو التقييد في مطلقه ، أو ورود نسخ عليه ، أو غير ذلك من
الأسباب المبينة في مظانها . واختلافهم في السنة لا يقتصر على اختلافهم فيما تدل عليه الأحاديث
وما يراد منها ، كما هو الحال في آي القرآن ، بل يتجاوز ذلك ، فيختلفون في الحكم على
الحديث صحة وضعفا ، فيرى بعضهم صحيحا ما يراه الآخر ضعيفا ، إلى غير ذلك من أسباب
الاختلاف الكثيرة التي بينها العلماء في مؤلفاتهم . وأما الآيات التي وردت في ذم الخلاف ،
والنهي عنه ، والتحذير منه ، فالمراد منه الخلاف المذموم الذي ينجم عنه التعصب والحقد وطعن
الخصم في عرضه ودينه والافتئات عليه بما هو منه برئ .
( 2 ) قال ابن كثير في تفسير هذه الآية : أي إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به ، لأنه
كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال ، المنعوت بالأسماء
الحسنى ، كلما كانت المعرفة به أتم ، والعلم به أكمل ، كانت الخشية له أعظم وأكثر " . انظر
تفسير الآية بتوسع في " تفسير ابن كثير والبغوي " 7 / 60 .