ابن حبيب ، سمعت المسعري محمد بن وهب ، قال : كنت مؤدبا
للمتوكل ، فلما استخلف ، أدناني . وكان يسألني وأجيبه على مذهب
الحديث والعلم ، وإنه جلس للخاصة يوما ، ثم قام ، حتى دخل بيتا له من
قوارير ، سقفه وحيطانه وأرضه ، وقد أجري له الماء فيه ، يتقلب فيه . فمن
دخله ، فكأنه في جوف الماء جالس . وجلس عن يمينه الفتح بن خاقان ،
وعبيد الله بن يحيى بن خاقان ، وعن يساره بغا الكبير ، ووصيف ، وأنا واقف
إذ ضحك ، فأرم القوم ، فقال : ألا تسألوني من ما ضحكت ؟ ! إني ذات
يوم واقف على رأس الواثق ، وقد قعد للخاصة ، ثم دخل هنا ، ورمت الدخول
فمنعت ، ووقفت حيث ذاك الخادم واقف ، وعنده ابن أبي دواد ، وابن
الزيات ، وإسحاق بن إبراهيم . فقال الواثق : لقد فكرت فيما دعوت إليه
الناس من أن القرآن مخلوق ، وسرعة إجابة من أجابنا ، وشدة خلاف من
خالفنا مع الضرب والسيف ، فوجدت من أجابنا رغب فيما ( في ) أيدينا ،
ووجدت من خالفنا منعه دين وورع ، فدخل قلبي من ذلك أمر وشك حتى
هممت بترك ذلك . فقال ابن أبي دواد : الله الله يا أمير المؤمنين ! أن تميت
سنة قد أحييتها ، وأن تبطل دينا قد أقمته . ثم أطرقوا . وخاف ابن أبي دواد ،
فقال : والله يا أمير المؤمنين ، إن هذا القول الذي تدعو الناس إليه لهو الدين
الذي ارتضاه الله لأنبيائه ورسله ، وبعث به نبيه ، ولكن الناس عموا عن
قبوله . قال الواثق : فباهلوني ( 1 ) على ذلك . فقال أحمد : ضربه الله
بالفالج إن لم يكن ما يقول حقا . وقال ابن الزيات : وهو فسمر الله بدنه
بمسامير في الدنيا قبل الآخرة إن لم يكن ما يقول أمير المؤمنين حقا بأن القرآن
مخلوق . وقال إسحاق بن إبراهيم : وهو فأنتن الله ريحه في الدنيا إن لم يكن
هامش
( 1 ) يقال : باهل بعضهم بعضا ، وتبهلوا وتباهلوا ، أي : تلاعنوا . والبهلة ، وتضم
الباء : اللعنة .