ادخل ، فدخل الدهليز ، فقلت : من أين أقبلت ؟ قال : من ناحية المشرق
أريد الساحل ، ولولا مكانك ما دخلت هذا البلد ، نويت السلام عليك .
قلت : على هذه الحال ؟ قال : نعم . ما الزهد في الدنيا ؟ قلت : قصر
الأمل ، قال : فجعلت أعجب منه ، فقلت في نفسي . ما عندي ذهب ولا
فضة . فدخلت البيت ، فأخذت أربعة أرغفة ، فخرجت إليه ، فقال :
أو يسرك أن أقبل ذلك يا أبا عبد الله ؟ قلت : نعم . فأخذها ، فوضعها تحت
حضنه ، وقال : أرجو أن تكفيني إلى الرقة . أستودعك الله . فكان يذكره
كثيرا .
وبه : كتب إلي عبد الله بن أحمد ، سمعت أبي ، وذكر الدنيا ، فقال :
قليلها يجزئ ، وكثيرها لا يجزئ ، وقال أبي : وقد ذكر عنده الفقر -
فقال : الفقر مع الخير .
وبه حدثنا صالح ، قال : أمسك أبي عن مكاتبة ابن راهويه ، لما
أدخل كتابه إلى عبد الله بن طاهر وقرأه .
وبه قال : ذكر عبد الله بن أبي عمر البكري ، سمعت عبد الملك بن
عبد الحميد الميموني ، قال : ما أعلم أني رأيت أحدا أنظف بدنا ، ولا أشد
تعاهدا لنفسه في شاربه وشعر رأسه وشعر بدنه ، ولا أنقى ثوبا بشدة بياض ،
من أحمد بن حنبل رضي الله عنه . كان ثيابه بين الثوبين ، تسوى ملحفته
خمسة عشر درهما ، وكان ثوب قميصه يؤخذ بالدينار ونحوه ، لم يكن له دقة
تنكر ، ولا غلظ ينكر ، وكان ملحفته مهذبة .
وبه حدثنا صالح ، قال : ربما رأيت أبي يأخذ الكسر ، ينفض الغبار
عنها ، ويصيرها في قصعة ، ويصب عليها ماء ثم يأكلها بالملح . وما رأيته
اشترى رمانا ولا سفرجلا ولا شيئا من الفاكهة ، إلا أن تكون بطيخة فيأكلها
سير أعلام النبلاء — صفحة 208
مساهمون: الذهبي
ص٢٠٨