ولا ريب أن الامام لما سكن مصر ، وخالف أقرانه من المالكية ،
ووهى بعض فروعهم بدلائل السنة ، وخالف شيخه في مسائل ، تألموا
منه ، ونالوا منه ، وجرت بينهم وحشة ، غفر الله للكل ، وقد اعترف الامام
سحنون ، وقال : لم يكن في الشافعي بدعة . فصدق والله ، فرحم الله
الشافعي ، وأين مثل الشافعي والله ! في صدقه ، وشرفه ، ونبله ، وسعة
علمه ، وفرط ذكائه ، ونصره للحق ، وكثرة مناقبه ، رحمه الله تعالى .
قال الحافظ أبو بكر الخطيب في مسألة الاحتجاج بالامام الشافعي ،
فيما قرأت على أبي الفضل بن عساكر ، عن عبد المعز بن محمد ، أخبرنا
يوسف بن أيوب الزاهد ، أخبرنا الخطيب قال : سألني بعض إخواننا بيان
علة ترك البخاري الرواية عن الشافعي في " الجامع " ؟ وذكر أن بعض من
يذهب إلى رأي أبي حنيفة ضعف أحاديث الشافعي ، واعترض بإعراض
البخاري عن روايته ، ولولا ما أخذ الله على العلماء فيما يعلمونه ليبيننه
للناس ، لكان أولى الأشياء الاعراض عن اعتراض الجهال ، وتركهم
يعمهون ، وذكر لي من يشار إليه خلو كتاب مسلم وغيره من حديث
الشافعي ، فأجبته بما فتح الله لي ، ومثل الشافعي من حسد ، وإلى ستر
معالمه قصد ، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ، ويظهر من كل حق مستوره ،
وكيف لا يغبط من حاز الكمال ، بما جمع الله له من الخلال اللواتي لا
ينكرها إلا ظاهر الجهل ، أو ذاهب العقل . ثم أخذ الخطيب يعدد علوم
الامام ومناقبه ، وتعظيم الأئمة له ، وقال :
أبى الله إلا رفعه وعلوه * وليس لما يعليه ذو العرش واضع
إلى أن قال : والبخاري هذب ما في " جامعه " ، غير أنه عدل عن كثير من
الأصول إيثارا للايجاز ، قال إبراهيم بن معقل : سمعت البخاري يقول :
سير أعلام النبلاء — صفحة 95
مساهمون: الذهبي
ص٩٥