في قراءته من جماعة من الكبار ، ولم يجر مثل ذلك للحضرمي أبدا ، حتى
نشأ طائفة متأخرون لم يألفوها ، ولا عرفوها ، فأنكروها ، ومن جهل شيئا
عاداه ، قالوا : لم تتصل بنا متواترة ، قلنا : اتصلت بخلق كثير متواترة ،
وليس من شرط التواتر أن يصل إلى كل الأمة ، فعند القراء أشياء متواترة
دون غيرهم ، وعند الفقهاء مسائل متواترة عن أئمتهم لا يدريها القراء ،
وعند المحدثين أحاديث متواترة قد لا يكون سمعها الفقهاء ، أو أفادتهم ظنا
فقط ، وعند النحاة مسائل قطعية ، وكذلك اللغويون ، وليس من جهل علما
حجة على من علمه ، وإنما يقال للجاهل : تعلم ، وسل أهل العلم إن
كنت لا تعلم ، لا يقال للعالم : اجهل ما تعلم ، رزقنا الله وإياكم
الانصاف ، فكثير من القراءات تدعون تواترها ، وبالجهد أن تقدروا على
غير الآحاد فيها ، ونحن نقول : نتلو بها وإن كانت لا تعرف إلا عن واحد ،
لكونها تلقيت بالقبول ، فأفادت العلم ، وهذا واقع في حروف كثيرة ،
وقراءات عديدة ، ومن ادعى تواترها فقد كابر الحس ( 1 ) ، أما القرآن
العظيم ، سوره وآياته فمتواتر ، ولله الحمد ، محفوظ من الله تعالى ، لا
يستطيع أحد أن يبدله ولا يزيد فيه آية ولا جملة مستقلة ، ولو فعل ذلك أحد
عمدا لا نسلخ من الدين ، قال الله تعالى : ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له
هامش
( 1 ) جاء في كتاب " المدخل " ص 196 لعبد القادر بدران بتحقيق الدكتور عبد الله بن
التركي ما نصه : القراءات السبع متواترة وهو المشهور ، وقال ابن الحاجب : هي متواترة فيما ليس
من قبيل المد والإمالة وتخفيف الهمزة ونحوها ، وهذا خلاف المشهور . وذهب الطوفي إلى أن
القراءات متواترة عن الأئمة السبعة ، أما تواترها عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى الأئمة السبعة فهو محل نظر ،
فإن أسانيد الأئمة السبعة بهذه القراءات السبعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم موجودة في كتب القراءات ، وهي نقل
الواحد عن الواحد ، لم تستكمل شروط التواتر ، قال : وأبلغ من هذا أنها لم تتواتر بين الصحابة .
قال : واعلم أن بعض من لا تحقيق عنده ينفر من القول بعدم تواتر القراءات ظنا منه أن ذلك يستلزم
عدم تواتر القرآن ، وليس ذلك بلازم ، لأنه فرق بين ماهية القرآن والقراءات ، والاجماع على تواتر
القرآن .