قال : من سلم على محمد رآه أو لم يره ، كان له محمد شافعا ومصافحا .
فدخل حلاوة الإنجيل في صدري .
قال : فأقام في مقامه حولا ، ثم قال : أي بني ! إنك قد أحببتني وأحببتك ،
وإنما قدمت بلادكم هذه : إنه كان لي قريب ، فمات ، فأحببت أن أكون قريبا من
قبره أصلي عليه وأسلم عليه ، لما عظم الله علينا في الإنجيل من حق القرابة ،
يقول الله : من وصل قرابته ، وصلني ، ومن قطع قرابته ، فقد قطعني ، وإنه قد
بدا لي الشخوص من هذا المكان ، فإن كنت تريد صحبتي فأنا طوع يديك .
قلت : عظمت حق القرابة وهنا أمي وقرابتي . قال : إن كنت تريد أن تهاجر
مهاجر إبراهيم عليه السلام فدع الوالدة والقرابة ، ثم قال : إن الله يصلح بينك
وبينهم حتى لا تدعو عليك الوالدة .
فخرجت معه ، فأتينا نصيبين ، فاستقبله اثنا عشر من الرهبان يبتدرونه
ويبسطون له أرديتهم ، وقالوا : مرحبا بسيدنا وواعي كتاب ربنا . فحمد الله ،
ودمعت عيناه وقال : إن كنتم تعظموني لتعظيم جلال الله ، فأبشروا بالنظر إلى
الله . ثم قال : إني أريد أن أتعبد في محرابكم هذا شهرا ، فاستوصوا بهذا
الغلام فإني رأيته رقيقا ، سريع الإجابة . فمكث شهرا لا يلتفت إلي ويجتمع
الرهبان خلفه يرجون أن ينصرف ولا ينصرف ، فقالوا : لو تعرضت له ، فقلت :
أنتم أعظم عليه حقا مني ، قالوا : أنت ضعيف ، غريب ، ابن سبيل ، وهو
نازل علينا ، فلا نقطع عليه صلاته مخافة أن يرى أنا نستثقله . فعرضت له
فارتعد ، ثم جثا على ركبتيه ، ثم قال : مالك يا بني ؟ جائع أنت ؟ عطشان أنت ؟
مقرور أنت ؟ اشتقت إلى أهلك ؟ قلت : بل أطعت هؤلاء العلماء . قال : أتدري ما
يقول الإنجيل ؟ قلت : لا ، قال : يقول من أطاع العلماء فاسدا كان أو مصلحا ،
فمات فهو صديق ، وقد بدا لي أن أتوجه إلى بيت المقدس . فجاء العلماء ،
سير أعلام النبلاء — صفحة 517
مساهمون: الذهبي
ص٥١٧