الأواني التي فيها أناسا مدققين في علم المنطق والهندسة ، وأن ابني الذي
شاهدته بالأمس ، هو الذي شاهدته الآن ، وأنه يحدث حال تغميض العين
ألف شمس ، ثم تعدم عند فتحها ، مع أن الله تعالى قادر على ذلك ، وهو
في نفسه ممكن ، وأن المولود الرضيع الذي يولد في الحال ، إنما يولد من
الأبوين ، ولم يمر عليه ألف سنة مع إمكانه في نفسه ، وبالنظر إلى قدرة
الله تعالى ( 1 ) .
وقد نسب السوفسطائية إلى الغلط ، وكذبوا كل التكذيب في هذه
القضايا الجايزة ، فكيف بالقضايا التي جوزها الأشاعرة التي تقتضي زوال
الثقة عن المشاهدات .
ومن أعجب الأشياء جواب رئيسهم ، وأفضل متأخريهم " فخر الدين
الرازي " في هذا الموضع حيث قال : ( يجوز أن يخلق الله تعالى في الحديدة
المحماة بالنار برودة عند خروجها من النار ، فلهذا لا تحس ، واللون
الذي فيها ، والضوء المشاهد منها يجوز أن يخلقه الله تعالى في الجسم البارد ) ( 2 ) .
وغفل عن أن هذا ليس بموضع النزاع لأن المتنازع فيه : أن الجسم الذي
هو في غاية الحرارة ، يلمسه الإنسان الصحيح البنية ، السليم الحواس حال
شدة حرارته ، ولا يحس بتلك الحرارة ، فإن أصحابه يجوزون ذلك ،
فكيف يكون ما ذكره جوابا ؟ ! .
الوجود ليس علة تامة في الرؤية
البحث الخامس : في أن الوجود ليس علة تامة في الرؤية .
خالفت الأشاعرة ، كافة العقلاء ها هنا ، وحكموا بنقيض المعلوم
هامش
( 1 ) تجد في كتاب الفصل لابن حزم - ج 5 ص 14 وجه ما ذهب إليه الأشاعرة في أشباه هذه المسألة .
( 2 ) واستند إلى ذلك الفضل بن روزبهان في المقام ، مع ما فيه من الخروج عن حريم النزاع .