كنا نؤمر بهذا ، قال : لتقيمن على هذا بينة ، أو لأفعلن بك ، فشهد له
أبو سعيد الخدري بذلك ، عن النبي صلى الله عليه وآله ، فقال عمر : خفي علي هذا
من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله ، ألهاني عنه الصفق بالأسواق ( 1 ) .
وهذا أمر ظاهر ، قد خفي عنه ، فكيف الخفي ؟ .
وروى الحميدي في الجمع بين الصحيحين ، في مسند عمر بن الخطاب ،
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إذا قال المؤذن الله أكبر ، الله أكبر . فقال
أحدكم : الله أكبر الله أكبر ، ثم قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، قال :
أشهد أن لا إله إلا الله ، ثم قال : أشهد أن محمدا رسول الله ، قال : أشهد
أن محمدا رسول الله ، ثم قال : حي على الصلاة ، قال : لا حول ولا قوة
إلا بالله ، ثم قال : حي على الفلاح ، قال : لا حول ولا قوة إلا بالله ،
ثم قال : الله أكبر ، الله أكبر ، قال : الله أكبر ، الله أكبر ، ثم قال :
لا إله إلا الله ، قال : لا إله إلا الله ، من قلبه دخل الجنة ( 2 ) .
فهذه روايته ، وزاد : بعد موت النبي صلى الله عليه وآله : الصلاة خير من النوم .
وروى الحميدي في الجمع بين الصحيحين ، في حديث أبي محذورة
سمرة بن مغيرة ، لما علمه الأذان : الله أكبر ، الله أكبر ، أشهد أن لا إله
إلا الله مرتين ، أشهد أن محمدا رسول الله مرتين ، حي على الصلاة مرتين ،
حي على الفلاح مرتين ، الله أكبر ، لا إله إلا الله ( 3 ) .
وقال الشافعي في كتاب الأم : أكره في الأذان ( الصلاة خير من النوم ) ،
لأن أبا محذورة لم يذكره ( 4 ) .
هامش
( 1 ) صحيح مسلم ج 2 ص 349 والتاج الجامع للأصول ج 5 ص 238 والسيرة الحلبية ج 2
ص 98 وقال : رواه الأربعة ، وصحيح البخاري ج 8 ص 67
( 2 ) صحيح مسلم ج 1 ص 142 ومصابيح السنة ج 1 ص 32 و 33
( 3 ) صحيح مسلم ج 1 ص 142 ومصابيح السنة ج 1 ص 32 و 33
( 4 ) أقول : قال ابن رشد في كتابه : " بداية المجتهد " ج 1 ص 83 ( بعد نقل الأقوال في فصول
الأذان والتحقيق المرضي فيه عنده ) : " واختلفوا في قول المؤذن في صلاة الصبح : ( الصلاة
خير من النوم ) ، هل يقال فيها أم لا ؟ فذهب الجمهور : إلى أنه يقال فيها ذلك ، وقال آخرون :
إنه لا يقال ، لأنه ليس من الأذان المسنون ، وبه قال الشافعي ، وسبب اختلافهم ،
اختلافهم : هل قيل ذلك في زمان النبي صلى الله عليه وآله أو إنما قيل في زمان عمر " . وانظر بتفصيل
اختلافهم أيضا السيرة الحلبية ج 2 ص 97
وأخرج مالك في كتابه : ( الموطأ ) ج 1 ص 93 : أن المؤذن جاء إلى عمر بن الخطاب
يؤذنه لصلاة الصبح ، فوجده نائما فقال : الصلاة خير من النوم ، فأمره عمر أن يجعلها
في نداء الصبح .
وقال الزرقاني ، عند بلوغه إلى هذا الحديث : هذا البلاغ أخرجه الدارقطني في السنن ، من
طريق وكيع في مصنفه ، عن العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر . وقال : أخرج
عن سفيان ، عن محمد بن عجلان ، عن نافع عن ابن عمر ، عن عمر ، أنه قال لمؤذنه :
إذا بلغت حي على الفلاح في الفجر فقل : ( الصلاة خير من النوم ) . ورواه في كنز العمال
عن الدارقطني ، وابن ماجة ، والبيهقي ، عن ابن عمر ، أقول : ومثله عن ابن أبي شيبة
من حديث هشام بن عروة .
وفي كنز العمال أيضا عن عبد الرزاق ، عن ابن جريح ، قال : أخبرني حسن بن مسلم :
أن رجلا سأل طاووسا : متى قيل : ( الصلاة خير من النوم ) ؟ فقال : أما إنها لم تقل على
عهد رسول الله صلى الله عليه وآله .
ثم إنه كما زاد في الأذان ( الصلاة خير من النوم ) ، نقص منه ، ومن الإقامة : ( حي على
خير العمل ) . قال القوشجي ، وهو من أعاظم متكلمي الأشاعرة ، في أواخر مبحث
الإمامة ، من شرح التجريد ص 408 : " صعد المنبر وقال : أيها الناس ، ثلاث كن على
عهد رسول الله أنا أنهى عنهن ، وأحرمهن ، وأعاقب عليهن ، وهي : متعة النساء ، ومتعة
الحج ، وحي على خير العمل " . . ثم اعتذر عنه بعد ما أرسله إرسال المسلمات ، بأن مخالفة
المجتهد لغيره في المسائل الاجتهادية ليس ببدع .
أقول : هذا الاعتذار في الحقيقة طعن في الخليفة ، لأنه جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وعمر
مجتهدين ، وسوغ لعمر مخالفة النبي صلى الله عليه وآله ، ومعه لا يبقى أثر للرسالة ، بل ولا للربوبية ،
لأن النبي صلى الله عليه وآله لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، لا سيما في الأحكام ،
فليلزمه أن يكون الله تعالى مجتهدا ، وعمر مجتهدا آخر ، في مقابله ، وله تصويب الله
وتخطئته ، مع علمهم بقول عمر ، فتدبر جيدا .
ويدل أيضا : على أن حي على خير العمل ، من فصول الأذان : ما في كنز العمال ج 4
ص 266 في كتاب الصلاة ، عن الطبراني : كان بلال يؤذن بالصبح فيقول : حي على
خير العمل .
وتبعه في إسقاطها من تأخر عنه من المسلمين ، حاشا أهل البيت ( ع ) ، وأتباعهم ، فإن حي
على خير العمل من شعارهم ، كما هو بديهي مذهبهم .
قال أبو الفرج الأصفهاني في كتابه : مقاتل الطالبيين ، عند ذكر صاحب فخ ، ومقتله :
" إن شهيد فخ الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن ابن أمير المؤمنين ، لما ظهر بالمدينة أيا ؟
موسى الهادي ، من ملوك العباسيين ، أمر المؤذن أن ينادي ب ( حي على خير العمل ) ، ففعل .
وروى الحلبي في سيرته ج 2 ص 98 عن ابن عمر ، وعلي بن الحسين ( ع ) أنهما كانا
يقولان في الأذان ، بعد حي على الفلاح : حي على خير العمل .
وروى أيضا : أن الرافضة " يريد شيعة آل محمد صلى الله عليه وآله تقول ، بعد الحيعلتين : حي على
خير العمل ، فلما كانت الدولة السلجوقية منعوا المؤذنين من ذلك .
وذلك يدل على أن السياسة كانت تلعب دورها في قبال أهل البيت وأتباعهم ، وإلا فإن
ذكره في الأذان ، والإقامة متواتر عن أئمة أهل البيت عليهم السلام ، فراجع حديثهم ،
في كتاب : " وسائل الشيعة إلى أحكام الشريعة " ، لتكون على بصيرة من مذهبهم .