والأصل فيه : أن علمهم بالله تعالى أكثر وأتم ، وهم مهبط وحيه ،
ومنازل ملائكته . .
ومن المعلوم أن كمال العلم يستلزم كثرة معرفته ، والخضوع والخشوع ،
فينا في صدور الذنب ، لكن الاجماع دل على أن النبي صلى الله عليه وآله لا يجوز
أن يكون أقل حالا من آحاد الأمة .
ومنها : أنه يلزم أن يكون مردود الشهادة ، لقوله تعالى : " إن جاءكم
فاسق بنبأ فتبينوا " ( 1 ) ، فكيف تقبل شهادته في الوحي ويلزم أن يكون
أدنى حالا من عدول الأمة ، وهو باطل بالإجماع .
ومنها : أنه لو صدر عنه الذنب ، لوجب الاقتداء به ، لقوله تعالى :
" أطيعوا الله وأطيعوا الرسول " ( 2 ) ، " لقد كان لكم في رسول الله أسوة
حسنة " ( 3 ) ، " فاتبعوني " ( 4 ) ، والتالي باطل بالإجماع ، وإلا اجتمع
الوجوب والحرمة .
نزاهة للنبي صلى الله عليه وآله عن دناءة الآباء وعهر الأمهات
المبحث الثالث : في أنه يجب أن يكون منزها عن دناءة الآباء ، وعهر
الأمهات ( 5 ) .
هامش
( 1 ) الحجرات : 30
( 2 ) النساء : 59 .
( 3 ) الأحزاب : 21
( 4 ) آل عمران : 31 وطه : 90
( 5 ) مسألة طهارة آباء النبي وأمهاته هي من المعارف الأصيلة عند الإمامية ، تأسيا بأئمتهم
المعصومين عليهم السلام ، وقد قال الله عز وجل : " وتقلبك في الساجدين " الشعراء : 219 ،
فروى ابن بابويه بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وآله
أين كنت وآدم في الجنة ؟ قال : كنت في صلبه ، وهبط إلى الأرض وأنا في صلبه ،
وركبت السفينة في صلب نوح " ع " ، وقذف بي في النار في صلب إبراهيم ، لم يلتق
أبوان على سفاح قط ، لم يزل الله ينقلني في الأصلاب الطيبة ، إلى الأرحام الطاهرة ،
هاديا مهديا ، حتى أخذ الله بالنبوة عهدي ، وبالاسلام ميثاقي . ( الحديث . . ) .
وعن أبي ذر رحمه الله ، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : خلقت أنا وعلي بن أبي
طالب من نور واحد ، نسبح الله تعالى عند العرش ، قبل أن يخلق آدم بألفي عام ، فلما أن
خلق الله آدم جعل ذلك النور في صلبه ، ولقد سكن الجنة ونحن في صلبه ، ولقد ركب
نوح السفينة ونحن في صلبه ، ولقد قذف إبراهيم في النار ونحن في صلبه ، فلم يزل ينقلنا
الله عز وجل من أصلاب طاهرة إلى أرحام طاهرة حتى انتهى إلى عبد المطلب ، فقسمنا نصفين ،
فجعلني في صلب عبد الله وجعل عليا في صلب أبي طالب . ( الحديث ) راجع تفسير
البرهان ج 2 ص 192
وقال علي بن إبراهيم : حدثني محمد بن الوليد ، عن محمد بن الفرات ، عن أبي جعفر
عليه السلام ، قال : " الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين " ، قال : في أصلاب
النبيين صلوات الله عليهم أجمعين ( تفسير القمي ص 474 ، ونور الثقلين ج 4 ص 69 ،
والبحار ج 15 ص 3 ) .
وعن أبي الجارود ، قال : سألت أبا جعفر عليه السلام ، عن قوله عز وجل : " وتقلبك
في الساجدين " ؟ قال : يرى تقلبه في أصلاب النبيين من نبي إلى نبي ، حتى أخرجه من
صلب أبيه ، من نكاح غير سفاح ، من لدن آدم ( بحار الأنوار ج 15 ص 3 ) .
وقال الطبرسي : وقيل : معناه : وتقلبك في أصلاب الموحدين ، من نبي إلى نبي ، حتى
أخرجك نبيا ، عن ابن عباس ، في رواية عطا وعكرمة ، وهو المروي عن أبي جعفر ،
وأبي عبد الله صلوات الله عليهما ، ( تفسير مجمع البيان ج 7 ص 207 ) .
وقد سبق وذكرنا ما في النهج عن علي عليه السلام ، في شأن الأنبياء عليهم السلام .
وعقد السيوطي بابا لذلك في كتابه : " الخصائص الكبري ج 1 ص 37 ط حيدر آباد دكن "
وقال ما لفظه : أخرج ابن سعيد ، وابن عساكر ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وآله : خرجت من لدن آدم من نكاح غير سفاح .
وأخرج الطبراني ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ما ولدني من سفاح
الجاهلية شئ ، وما ولدني إلا نكاح كنكاح الإسلام .
وأخرج ابن سعد ، وابن عساكر ، عن عائشة ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : خرجت
من نكاح غير سفاح .
وأخرجه ابن سعد ، وابن أبي شيبة ، في المصنف ، عن محمد بن علي بن الحسين : أن
النبي صلى الله عليه وآله قال : إنما خرجت من نكاح : ولم أخرج من سفاح ، من لدن آدم ، لم
يصبني من سفاح الجاهلية شئ ولم أخرج إلا من طهرة .
وأخرج أبو نعيم ، من طريق عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : لم يلتق
أبواي قط على سفاح . لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة ، مصفى ،
مهذبا ، لا تتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما .
وأخرجه البزار ، والطبراني ، وأبو نعيم ، من طريق عكرمة ، عن ابن عباس ،
في قوله تعالى : " وتقلبك في الساجدين " قال : ما زال النبي صلى الله عليه وآله يتقلب في أصلاب
الأنبياء حتى ولدته أمه .
وراجع أيضا كنز العمال ج 6 للمتقي الهندي طبع حيدر آباد دكن ، والطبقات الكبرى
ج 1 القسم الأول ص 31 لمحمد بن سعد ، كاتب الواقدي ، طبع ليدن .
وقال بعض العارفين : ولما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم فالمسجود له حقيقة هو الله تعالى ،
وآدم عليه السلام كالقبلة ، وتلك القبلة المقصد الأعظم منها إنما هو النور المحمدي ، الذي في
جبهته ولما حملت حواء " ع " بشيث انتقل ذلك النور إليها . . ثم لما وضعته " ع " ظهر ذلك
النور في جبهته وكان هو وصي آدم " ع " على ذريته ، وأوصاه آدم : أن لا يضع ذلك
النور إلا في المطهرات من النساء ، ولم تزل هذه الوصية جارية بينهم ، تنتقل من قرن إلى
قرن ، إلى أن وصل ذلك النور إلى جده عبد المطلب ، ثم إلى ابنه عبد الله ، ثم إلى أمه آمنة ،
وطهر الله تعالى هذا النسب من سفاح الجاهلية . . ( سيرة زيني دحلان مفتي ديار مكة في
هامش السيرة الحلبية ج 1 ص 8 ) .
وقال في صفحة ( 33 ) في كتابه هذا : " وقد صح في أحاديث كثيرة : أنه صلى الله عليه
( وآله ) وسلم ، قال : لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطيبات ، وفي
رواية : لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الحسنة إلى الأرحام الطاهرة . ( إلى أن قال )
قوله صلى الله عليه وآله : من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات ، ودليل على أن آباء النبي صلى الله عليه وآله
وأمهاته إلى آدم وحواء ليس فيهم كافر ، لأن الكافر لا يوصف بأنه طاهر .
وقال في صفحة ( 59 ) ، بعد نقل الرواية : فالكافر لا يوصف بأنه طاهر ، فقيه دليل
على طهارة آبائه وأمهاته من الكفر .
وقال في صفحة ( 62 ) : وقال الفخر الرازي في تفسيره : إن أبوي النبي صلى الله عليه وآله كانا على
الحنيفية دين إبراهيم " ع " ، كما كان زيد بن عمرو بن نفيل ، وأضرابه . بل إن آباء
الأنبياء كلهم ما كانوا كفارا ، تشريفا لمقام النبوة ، وكذلك أمهاتهم ، وإن آزر لم يكن
أبا لإبراهيم ، بل كان عمه ، ويدل لذلك قوله تعالى : " وتقلبك في الساجدين " مع
قوله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم : " لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام
الطاهرات . وقال تعالى : " إنما المشركون نجس " ( التوبة : 28 ) ، فوجب أن لا يكون
أحد أجداده مشركا : ( وأن لفظ الأب قد يطلق على العم ، كما قال أبناء يعقوب له :
" نعبد إلهك ، وإله آبائك : إبراهيم ، وإسماعيل ، وإسحاق ( البقرة : 133 ) فسموا
إسماعيل : أبا له مع أنه كان عما له ) وراجع أيضا التفسير الكبير للفخر الرازي ج 24
ص 175 ، وزاد زيني دحلان قوله : " وقد ارتضى كلامه هذا أئمة محققون ، منهم
العلامة السنوسي ، والتلمساني محشي الشفاء ، فقالا : لم يتقدم لوالديه صلى الله عليه وآله شرك ،
وكانا مسلمين ، لأنه عليه الصلاة والسلام انتقل من الأصلاب الكريمة إلى الأرحام الطاهرة ،
ولا يكون ذلك إلا مع الإيمان بالله تعالى .
( ما نقله المؤرخون قلة حياء وأدب ) ، وقد أيد جلال الدين السيوطي كلام الفخر
الرازي بأدلة كثيرة ، وألف في ذلك رسائل ، فجزاه الله خيرا ، وشكر سعيه . . قال
حافظ بن ناصر رحمه الله :
تنقل أحمد نورا عظيما * تلألأ في جباه الساجدينا
تنقل فيهم قرنا فقرنا * إلى أن جاء خير المرسلينا
( إنتهى كلام زيني دحلان )
وقال الماوردي ، في كتاب أعلام النبوة : وإذا اختبرت حال نسبه صلى الله عليه وآله ، وعرفت
طهارة مولده ، علمت أنه سلالة آباء كرام . ليس فيهم مستر ذل بل كلهم سادة ، قادة .
وشرف النسب وطهارة المولد من شروط النبوة . ( السيرة الحلبية ج 1 ص 28 وفي
هامشها ، والسيرة النبوية لزيني دحلان ج 1 ص 12 ) .