وهل يجوز لمسلم يخشى الله ، وعقابه ، أو يطلب الخلاص من العذاب ،
المصير إلى هذا القول ؟ نعوذ بالله من الدخول في الشبهات ! .
عصمة الأنبياء
1 - المبحث الثاني : أن الأنبياء معصومون .
ذهبت الإمامية كافة إلى أن الأنبياء معصومون عن الصغائر والكبائر ،
ومنزهون عن المعاصي ، قبل النبوة ، وبعدها . على سبيل العمد ، والنسيان ،
وعن كل رذيلة ومنقصة ، وما يدل على الخسة والضعة .
وخالفت الأشاعرة في ذلك ، وجوزوا عليهم المعاصي . . وبعضهم :
جوزوا الكفر عليهم ، قبل النبوة ، وبعدها ، وجوزوا عليهم السهو
والغلط ( 1 ) ونسبوا رسول الله صلى الله عليه وآله إلى السهو في القرآن بما يوجب الكفر ،
هامش
( 1 ) قال ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة / ج 2 ص 162 ما خلاصته : قال قوم من
الخوارج وابن فورك من الأشعرية : إنه يجوز بعثة من كان كافرا . وقال برغوث المتكلم ،
من النجارية : لم يكن الرسول قبل البعثة مؤمنا بالله . وقال السدي : إنه كان على دين
قومه ( وهو الشرك ) أربعين سنة . وقال بعض الكرامية : إن إبراهيم " ع " قال : أسلمت ،
ولم يكن قبل ذلك مسلما .
وقال ابن حزم ، في كتابه الفصل في الملل والأهواء ج 4 ص 1 : فذهب طائفة إلى أن
رسل الله يعصون الله في جميع الكبائر والصغائر ، حاشا الكذب في التبليغ فقط ، وهو قول
الكرامية من المرجئة ، وقول أبي الطيب الباقلاني ، من الأشعرية ، ومن اتبعه . . وهو
قول اليهود والنصارى . . ( إلى أن قال ) : وأما هذا الباقلاني ، فإنا رأينا في كتاب صاحبه
أبي جعفر السمناني ، قاضي الموصل : أنه كان يقول : إن كل ذنب دق أو جل ، فإنه
جائز على الرسل حاشا الكذب في التبليغ فقط . وقال : وجائز عليهم أن يكفروا .
وقال :
وإذا نهى النبي عن شئ ، ثم فعله فليس دليلا على أن ذلك النهي قد نسخ ، لأنه قد يفعله
عاصيا لله تعالى . وقال : وليس لأصحابه أن ينكروا عليه ، وجوز أن يكون في أمة محمد
من هو أفضل من محمد " ص " مذ بعث ، إلى أن مات . إنتهى كلام ابن حزم ! ! ! !
وقال الغزالي ، في بحث أفعال الرسول من كتابه الموسوم ب ( المنخول في الأصول ) :
والمختار ما ذكره القاضي ( يعني الباقلاني ) : وهو أنه لا يجب عقلا عصمتهم ، إذ لا يستبان
استحالة وقوعه ( أي العصيان ) بضرورة العقل ولا بنظره ، وليس هو مناقضا لمدلول
المعجزة ، فإن مدلوله صدق اللهجة فيما يخبر عن الله تعالى ، لا عمدا ولا سهوا ، ومعنى
التنفير باطل ، فإنا نجوز أن ينبئ الله كافرا ويؤيده بالمعجزة . واختاره فرقة الأزارقة
من الخوارج ( وليراجع الملل والنحل ج 1 ص 122 ) .
ونقل أبو رية في كتابه : أضواء على السنة المحمدية ص 42 عن كتاب : نهاية المبتدئين
لابن حمدان : إنهم معصومون فيما يؤدونه عن الله تعالى ، وليسوا بمعصومين في غير ذلك ،
من الخطأ ، والنسيان ، والصغائر ، وقال ابن عقيل في الارشاد : إنهم لم يعتصموا في
الأفعال ، بل في نفس الأداء ، ولا يجوز عليهم الكذب في الأقوال فيما يؤدونه عن الله تعالى .
وهذا ينكره علماء الشيعة فإنهم أجمعوا على أن الأنبياء معصومون لا يخطئون ، ولا يعتريهم
السهو والنسيان ، وهم مجمعون على أنهم معصومون في الكبر والصغر ، حتى في أمور الدنيا .
وقال الرازي في تفسيره الكبير ج 3 ص 7 : واختلف الناس على ثلاثة أقوال : أحدها :
قول من ذهب إلى أنهم معصومون من وقت مولدهم ، وهو قول الرافضة . وثانيها : قول
من ذهب إلى عصمتهم وقت بلوغهم ، ولم يجوزوا منهم ارتكاب الكفر والكبيرة قبل النبوة ،
وهو قول كثير من المعتزلة . وثالثها : قول من ذهب إلى أن ذلك ( يعني ارتكاب الكفر
والكبيرة ) لا يجوز وقت النبوة . أما قبلها فجائز ، وهو قول أكثر أصحابنا ، وقول
أبي الهذيل العلاف ، وأبي علي من المعتزلة .
وقال في الجزء 18 ص 9 من تفسيره : وعندنا العصمة إنما تعتبر في وقت النبوة لا قبلها .
وأشار ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج 2 ص 162 إلى ما قاله الفخر الرازي .