والخروج عن الحكمة وصواب التدبير إلى العبث والظلم والفساد كما
يوجد مثل ذلك في فعل خلقه الذين ينحبون في أفعالهم ويفعلون من ذلك
ما لا يعرفون مقداره ، ولم يعن بذلك أنه خلق لذلك تقديرا يعرف به مقدار
ما يفعله ثم فعل أفعاله بعد ذلك ، لان ذلك إنما يوجد من فعل من لا يعلم
مقدار ما يفعله إلا بهذا التقدير وهذا التدبير ، والله سبحانه لم يزل عالما
بكل شئ وإنما عنى بقوله : فقدره تقديرا أي فعل ذلك على مقدار
يعرفه - على ما بيناه - وعلى أن يقدر أفعاله لعباده 1 ) بأن يعرفهم مقدارها
ووقت كونها ومكانها الذي يحدث فيه ليعرفوا ذلك ، وهذا التقدير من الله
عز وجل كتاب وخبر كتبه الله لملائكته وأخبرهم به ليعرفوه ، فلما كان
كلامه لم يوجد إلا على مقدار يعرفه لئلا يخرج عن حد الصدق إلى
الكذب وعن حد الصواب إلى الخطأ ، وعن حد البيان إلى التلبيس ، كان
ذلك دلالة على أن الله قد قدره على ما هو به وأحكمه وأحدثه فلهذا صار
محكما لا خلل فيه ولا تفاوت ولا فساد .
10 - حدثنا غير واحد : قالوا : حدثنا محمد بن همام ، عن علي بن
شرح
1 ) هذا معنى آخر لقوله ( فقدره تقديرا ) وحاصله : أنه عرف عباده
وملائكته أوقات تكوين أفعاله وحدوثها ، كمكونات الصيف فيه ومكونات
الشتاء فيه ونحو ذلك .
وبالجملة الفرق بين المعنيين أن التقدير على الأول عبارة عن خلق الأشياء
على ما هي عليه من المقادير طولا وعرضا وكيفية وحالا إلى غير ذلك . وأما
على الثاني ، فمعناه أن المراد بالتقدير ما كتبه في اللوح وبينه لملائكته
وأخبرهم به ، ثم خلق الأشياء وأوجدها في الخارج كما قدرها في اللوح .