احتاجت إلى هذه المقدمات كلها ؟ وما الغاية التي توخاها في هذا الموقف
المشهود ؟ وما الشئ الذي أمره الله تعالى بتبليغه إذ قال عز من قائل : ( يا أيها
الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك
من الناس ) وأي مهمة استوجبت من الله هذا التأكيد ، واقتضت الحض على
تبليغها بما يشبه التهديد ؟ وأي أمر يخشى النبي الفتنة بتبليغه ؟ ويحتاج إلى عصمة
الله من أذى المنافقين ببيانه ؟
أكنتم - بجدك لو سألكم عن هذا كله - تجيبونه بأن الله عز وجل ورسوله
صلى الله عليه وآله إنما أرادا بيان نصرة علي للمسلمين ، وصداقته لهم
ليس إلا ؟ ما أراكم ترتضون هذا الجواب ، ولا أتوهم أنكم ترون مضمونه
جائزا على رب الأرباب ، ولا على سيد الحكماء ، وخاتم الرسل والأنبياء ،
وأنتم أجل من أن تجوزوا عليه أن يصرف هممه كلها ، وعزائمه بأسرها ،
إلى تبيين شئ بين لا يحتاج إلى بيان ، وتوضيح أمر واضح بحكم الوجدان
والعيان ، ولا شك أنكم تنزهون أفعاله وأقواله عن أن تزدري بها العقلاء ، أو
ينتقدها الفلاسفة والحكماء ، بل لا ريب في إنكم تعرفون مكانة قوله وفعله من
الحكمة والعصمة ، وقد قال الله تعالى : ( انه لقول رسول كريم ذي قوة عند
ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون ) فيهتم بتوضيح
الواضحات ، وتبيين ما هو بحكم البديهيات ، ويقدم لتوضيح هذا الواضح
مقدمات أجنبية لا ربط له بها ، ولا دخل لها فيه ، تعالى الله عن ذلك ورسوله
علوا كبيرا ، وأنت - نصر الله بك الحق - تعلم أن الذي يناسب مقامه واهتمامه
النص والإجتهاد — صفحة 590
مساهمون: السيد عبد الحسين شرف الدين
ص٥٩٠