إنما بإزائكم عبد القيس .
وأقبلت على كتيبة بين يديها فقالت : من القوم ؟ قالوا : بنو ناجية . قالت :
بخ بخ سيوف أبطحية قرشية ، فجالدوا جلادا يتفادى منه ، فكأنما أشعلت فيهم
من الحماسة نارا تلظى . وتتابع حملة اللواء على خطام جملها مستميتين
يقولون :
يا أمنا يا زوجة النبي * يا زوجة المبارك المهدي -
نحن بنو ضبة لا نفر * حتى نرى جما جما تخر -
يخر منها العلق المحمر -
وما زالت تستفز حميتهم حتى عقر الجمل ، بعد أن قتل على خطامه أربعون
رجلا وكانت الهزيمة بأذن الله . ولو عناية أمير المؤمنين ساعتئذ في حفظها ،
ووقوفه بنفسه على صونها ، لكان ما كان مما أعاذها الله منه في هذه الفتنة العمياء
التي شقت عصا المسلمين إلى يوم الدين ، وعلى أسسها كانت صفين والنهروان
ومأساة كربلا وما بعدها . حتى نكبة فلسطين ، في عصرنا هذا .
لكن أخا النبي وأبا سبطيه ، وقف على الجمل بنفسه ، حين أطفئت الفتنة
بعقره ، وما أن هوى بالهودج حتى آواه - وفيه عائشة - إلى وارف من ظله
منيع ، وجعل معها أخاها محمدا ليقوم بمهامها في نسوة من الصالحات ، ومن
على محاربيه وتفضل عليهم ، وأطلق الأسرى من أعدائه الألداء ، واختص
عائشة من الكرامة بكل ما يناسب خلقه الكريم . وفضله العميم ، وحكمته البالغة
وهذا كله معلوم بحكم الضرورة من كتب السير والأخبار .
وتسمى هذه الوقعة وقعة الجمل الأكبر . وكانت يوم الخميس لعشر خلون
من جمادي الآخرة سنة ست وثلاثين ، وتفصيل الوقعتين في كتب السير والتواريخ
فلتراجع .
النص والإجتهاد — صفحة 449
مساهمون: السيد عبد الحسين شرف الدين
ص٤٤٩