خلف ظهره ، وجعل وراءه الرماة وهم خمسون راميا ، أمر عليهم عبد الله بن
جبير وقال له : انضح عنا الخيل بالنبل لا يأتونا من خلفنا ، واثبتوا مكانكم ، إن
كانت لنا ،
أو كانت علينا ، فإنا إنما نؤتى من هذا الشعب شعب أحد ( 1 ) .
وخرج طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين ينادي : يا معشر أصحاب
محمد أنكم تزعمون أن يعجلنا بسيوفكم إلى النار ، ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنة
فهل أحد منكم يعجله سيفي إلى الجنة ، ويعجلني سيفه إلى النار ؟
قال ابن الأثير في كامله : فبرز إليه علي بن أبي طالب فضربه فقطع رجله
فسقط وانكشفت عورته ، فناشده الله فتركه - لما به يخور بدمه حتى هلك -
فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وقال : كبش الكتيبة ، وكبر المسلمون بتكبيره ، وقال
لعلي : ما منعك أن تجهز عليه ؟ فقال ناشدني الله والرحم فاستحييت منه .
وصمد علي بعده لأصحاب اللواء يحمل عليهم فيقتلهم واحدا بعد واحد .
قال ابن الأثير وغيره : وقد كان المسلمون قتلوا أصحاب اللواء وبقي مطروحا
لا يدنو منه أحد ، فأخذته عمرة بنت علقمة الحارثية فرفعته فاجتمعت قريش
حوله ، وأخذه صواب عبد لبني عبد الدار - كان من أشد الناس قوة - فقتل عليه
( قال ) وكان الذي قتل أصحاب اللواء علي بن أبي طالب ، قاله أبو رافع .
واقتتل الناس قتالا شديدا . وأمعن حمزة وعلي وأبو دجانة في رجال من
المسلمين وأبلوا بلاء حسنا ، وأنزل الله نصره عليهم وكانت الهزيمة على المشركين ،
وهرب النساء مصعدات في الجبل ، ودخل المسلمون عسكرهم ينهبون ، فلما
نظر بعض الرماة إلى إخوانهم ينهبون ، آثروا النهب على البقاء في الشعب ،
ونسوا ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وآله وحضهم عليه .
وحين رأى خالد بن الوليد قلة من بقي من الرماة حمل عليهم فقتلهم ، وشد
هامش
( 1 ) الشعب بالكسر ما انفرج بين الجبلين ( منه قدس ) .