" قوموا " ظاهر في استيائه منهم ، ولو كان الممانعون مصيبين لأستحسن ممانعتهم
وأظهر الارتياح إليها .
ومن ألم بأطراف هذا الحديث ، ولا سيما قولهم : " هجر رسول الله "
يقطع بأنهم كانوا عالمين أنه إنما يريد أمرا يكرهونه ، ولذا فاجؤوه بتلك
الكلمة وأكثروا عنده اللغو واللغط والاختلاف كما لا يخفى .
وبكاء ابن عباس بعد ذلك لهذه الحادثة وعدها رزية دليل على بطلان هذا
الجواب .
قال المعتذرون : إن عمر كان موفقا للصواب في أدراك المصالح ، وكان
صاحب إلهام من الله تعالى . وهذا مما لا يصغى إليه في مقامنا هذا لأنه يرمي
إلى أن الصواب في هذه الواقعة إنما كان في جانبه ، لا في جانب النبي ، وأما
إلهامه يومئذ كان أصدق من الوحي الذي نطق عنه الصادق الأمين صلى الله عليه وآله .
وقالوا : بأنه أراد التخفيف عنه صلى الله عليه وآله إشفاقا عليه من التعب الذي يلحقه
بسبب إملاء الكتاب في حال المرض ، وأنت تعلم أن في كتابة ذلك الكتاب راحة
قلب النبي ، وبرد فؤاده وقرة عينه ، وأمنه على أمته صلى الله عليه وآله من الضلال .
على أن الأمر المطاع ، والإرادة المقدسة مع وجوده الشريف إنما هما
له ، وقد أراد - بأبي وأمي - إحضار الدواة والبياض ، وأمر به فليس لأحد
أن يرد أمره أو يخالف إرادته ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله
أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا
مبينا ) ( 217 ) .
على أن مخالفتهم لآمره في تلك المهمة العظيمة ، ولغوهم ولغطهم واختلافهم
عنده كان أثقل عليه وأشق من إملاء ذلك الكتاب الذي يحفظ أمته من الضلال
هامش
( 217 ) سورة الأحزاب آية : 36 .