- 40 -
ومن وصية له عليه السلام
لزياد بن النضر الحارثي لما أنفذه أميرا على مقدمة جيشه إلى صفين .
إتق الله في كل ممسى ومصبح ، وخف على نفسك
الغرور ، ولا تأمنها على حال من البلاء ( 1 ) واعلم أنك إن لم
تزع نفسك عن كثير مما تحب مخافة مكروهه ، سمت بك
الأهواء إلى كثير من الضر حتى تطعن ( 2 ) فكن لنفسك مانعا
هامش
( 1 ) ممسي ومصبح ، اسما مصدر لقولهم : ( أمسى وأصبح ) ويجوز
أيضا أن يكونا مصدرين لهما ، أي فليكن من شأنك تقوى الله في كل صباح
ومساء . والغرور - بضم الغين - : الأباطيل ، الانخداع .
- وبفتحها - : ما يوجب ويورث الانخداع ، ولذا توصف به الدنيا ، فيقال
الدنيا الغرور ، قال الله تعالى : ( فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله
الغرور ) . والبلاء : ما يبتلى ويمتحن به المكلف من النعمة أو النقمة ، والخير
أو الشر . أي أنك تختبر في كل حال بالبلاء من حصول نعمة أو ترقب
حصولها ، أو حدوث نقمة أو تخوف عروضها - فلا تأمن نفسك من الانخداع
وخذ بقيادها ولا تذهل عنها .
( 2 ) ( ان لم تزع ) أي ان لم تكفها ، ولو لم تحبسها . يقال : وزع فلانا
وبفلان : كفه ومنعه . ووزع الجيش : حبسهم . وهو من باب نصر ومنع .
وقوله : ( مخافة مكروهه ) مفعول لأجله وقوله : ( سمت بك الأهواء )
جواب الشرط معناه : ارتفعت بك الأهواء وشخصتك إلى الاضرار الكثيرة ،
يقال : سما نفسه إلى كذا ) أي أعلته وأشخصته . وهو من باب ( دعا ) .
وتطعن من باب ( نصر ومنع ) أي تكبر وتصير شيخا . وهو من قولهم :
( طعن في السن ) أي صار كبيرا . ومقصوده ( ع ) أن مخافة المكاره المترتبة
على اتباع الشهوات ، ان لم تمنعك من الانقياد لها ومزاولتها ، تجرك الشهوات
إلى المضرات الكثيرة إلى أن تصير شيخا معتادا بمتابعة الهوى فيصعب عليك
ترك العادة فتكون من الهالكين .