عرف الله جل وعز نفسه إلى خلقه بالكلام ، والدلالات عليه والاعلام .
وما رواه في الحديث 41 ، من باب النوادر ، من الفقيه : 4 ، 287 ،
ط النجف ، قال الإمام الصادق عليه السلام : النوم راحة للجسد ، والنطق
راحة للروح ، والسكوت راحة للعقل . إلى غير ذلك مما يدل بصريحه أو
بظاهره ، على التفصيل ، أو على رجحان الكلام على السكوت .
أقول : لا تنافي بين الطائفتين من الاخبار ، وكذا ما يأتي من إفادات
الحكماء والعلماء ، إذ الاخبار الأول جلها ناظر إلى نوع المكلفين الذين يصرفون
أوقاتهم بالقول الهزل ، والنميمة والغيبة والايذاء وإشعال النار بين المتعاديين ،
وغير ذلك مما لا يخفى على من عاشر أهل الدنيا وقتا من الأوقات ، وهذه
الطائفة من الأدلة أغلبها مقيد بقيد أو معلل بعلة - كما لا يخفى على من
تدبرها - فلا اطلاق لها ، فلا مجال لان يقال إنها معارضة لأدلة الامر بالمعروف
والنهي عن المنكر ، وإحقاق الحق وابطال الباطل ، والتعليم والتعلم وغيرها ،
وذلك لان التعارض فرع الاطلاق ، ولا اطلاق فيها بشهادة التعليلات التي
ذكرت فيها ، ولو فرض ان لبعضها اطلاق يجب تقييدها بأدلة الامر بالمعروف
والنهي عن المنكر وغيرهما ، لان الخاص قرينة على الذي أريد من العام ،
والمقيد مبين للمقصود من المطلق ، ولو فرض العموم في الجانبين أيضا ، فلا
تنافي بين الطائفتين ، وذلك لحكومة أدلة الامر بالمعروف وما شاكلها ، على
المطلقات المذكورة ، ( 126 ) فلا وقع لما قيل : من أفضلية الكلام من السكوت ،
هامش
( 126 ) هذا من باب المماشاة ، والا الامر عندنا جلى بأن الطائفة الأولى
مفادها : ان الكلام الذي لا يكون لله ويترتب عليه المضار والمفاسد فهو مرجوح
يلزم على العاقل الكف منه والاجتناب عنه ، ومفاد الطائفة الثانية : ان الكلام
الذي يكون لله وفى الله فهو راجح على الصمت ينبغي للعاقل ان يتكلم به
ويلقيه ، والى هذا يرجع ما قاله بعضهم : من أن أعدل شئ قيل في الصمت
والمنطق قولهم : الكلام في الخير كله أفضل من الصمت فيه ، والصمت في
الشر كله أفضل من الكلام فيه .