الا على الله رزقها " .
وأجابت المعتزلة عن الحديث بالطعن في سنده تارة ، وبالتأويل على
تقدير صحته أخرى ، وتأويله ان اطلاق الرزق على الحرام لمشاكلة قوله : فلا
أراني ارزق ، كقوله : تعالى : ومكروا ومكرا الله ، وباب المشاكلة وإن كان
نوعا من المجاز ، لكنه وسع كثير الورود في القرآن والحديث ، فاش في
نظم البلغاء ونثرهم .
وعن قولهم : لو لم يكن الحرام رزقا لم يكن المتغذي به طول عمره
مرزوقا ، بأن مادة النقض لابد وأن تكون متحققة ، وليس الامر كذلك
إذ لا يتصور حيوان كذلك ، اما غير الانسان فلانه لا يتصور بالنسبة إليه حل
ولا حرمة ، وأما الانسان فلو لم يكن يأكل من الحلال الا مدة عدم التكليف
لكفى في دفع النقض ( 101 ) .
وأيضا فالرزق أعم من الغذاء باجماع المعتزلة وجمهور الأشاعرة ، ولا
يشترط الانتفاع به بالفعل ، فالنقض بالمتغذي طول عمره بالحرام إنما يرد
لو لم ينتفع مدة عمره بشئ انتفاعا محللا ، ولا يشرب الماء ولا يتنفس في
الهواء ، بل ولا تمكن من الانتفاع بذلك أصلا ، وظاهر ان هذا مما لا يوجد .
وللمعتزلة أن يقولوا أيضا : لو مات حيوان قبل ان يتناول شيئا -
هامش
( 101 ) وبعبارة واضحة : اعمال الانسان - ومنها تغذيه - قبل البلوغ
بحسب الحكم الشرعي كأعمال الحيوان لا تتصف بالإباحة ولا الحرمة ولا غيرهما
من الأحكام الخمسة ، فلا يتصور بالنسبة إلى الصبيان وغير البالغين التغذي
بالحرام ، واما بعد البلوغ فلانه بعد ما كان الرزق أعم من الغذاء باتفاق المعتزلة
والأشاعرة يشمل التنفس في الهواء ، ومعلوم انه مباح في حقه قطعا فلم يوجد
حيوان لا رزق له الا الحرام طول عمره ، ويوضحه انه لو مات انسان قبل ان
يأكل شيئا ، لزم أن يكون غير مرزوق ، فما هو جواب الأشاعرة فهو جواب
المعتزلة .