ولا خديعة ، نظره عِبرة سكوته فكرة وكلامه حكمة ، مناصحاً متباذلا متواخياً ، ناصح في السرّ والعلانية ، لا يهجر أخاه ولا يغتابه ولا يمكر به ، ولا يأسف على ما فاته ، ولا يحزن على ما أصابه ، ولا يرجو ما لا يجوز له الرجاء ، ولا يفشل في الشدّة ولا يبطر في الرخاء ، يمزج الحلم بالعلم والعقل بالصبر ، تراه بعيداً كسله دائماً نشاطه ، قريباً أمله قليلا زلله متوقعاً لأجله ، خاشعاً قلبه ، ذاكراً لربّه ، قانعة نفسه ، منفياً جهله ، سهلا أمره ، حزيناً لذنبه ، ميّتة شهوته كظوماً غيظه ، صافياً خلقه آمناً منه جاره ، ضعيفاً كبره ، قانعاً بالذي قدّر له ، متيناً صبره ، محكماً أمره كثيراً ذكره ، يخالط الناس ليعلم ويصمت ليسلم ويسأل ليفهم ، ويتّجر ليغنم ، لا ينصت للخبر ليفجر به ، ولا يتكلّم ليتجبّر به على من سواه ، نفسه منه في عناء والناس منه في راحة ، أتعب نفسه لآخرته فأراح الناس من نفسه ، إن بُغِيَ عليه صبر حتّى يكون الله الذي ينتصر له ، بُعده ممّن تباعد منه بغض ونزاهة ، ودنوّه ممّن دنا منه لين ورحمة ، ليس تباعده تكبّراً ولا عظمة ، ولا دُنوّه خديعة ولا خلابة ، بل يقتدي بمن كان قبله من أهل الخير ، فهو إمام لمن بعده من أهل البرّ .
قال : فصاح همّام صيحة ثمّ وقع مغشياً عليه ، فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : أما والله لقد كنت أخافها عليه ، وقال : هكذا تصنع الموعظة البالغة بأهلها ، فقال له قائل : فما بالك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : إنّ لكلٍّ أجلا لا يعدوه وسبباً لا يجاوزه ، فمهلا لا تعد فإنّما نَفَثَ على لسانك شيطان ( 1 ) .
468 / 7 - أبو يعلى الجعفري ، عن الحارث الهمداني ، قال : قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) :
حسبك من كمال المرء تركه ما لا يجمل به ، ومن حياءه أن لا يلقى أحداً بما يكره ، ومن عقله حسن رفقه ، ومن أدبه علمه بما لا بدّ منه ، ومن ورعه عِفّة بصره
هامش
( 1 ) - الكافي 2 : 226 ; مستدرك الوسائل 12 : 170 ح 13801 ; البحار 67 : 315 .