فهم كعبة الجلال التي تطوف بها المخلوقات ، ونقطة الكمال التي ينتهي إليها الموجودات ، والبيت المحرم
الذي تتوجه إليه سائر البريات لأنهم أول بيت وضع للناس فهم الباب ، والحجاب ، والنواب ، وأم
الكتاب ، وفصل الخطاب ، وإليهم يوم المآب ، ويوم الحساب ، فهم لاهوت الحجاب ، ونواب
الجبروت ، وأبواب الملكوت ، ووجه الحي الذي لا يموت .
فصل
وإن قلت : معنى قوله : ( الله نور السماوات والأرض ) ( 1 ) يعني منور السماوات والأرض ،
وهادي أهل السماوات والأرض ،
قلت : نعم هم الهداة والدعاة إلى الله عز وجل ، والنور المشرق من
حضرة الأزل ولم يزل ، والاسم الفتاح الذي أخرج بنوره الوجود من العدم ، فبهم بدا وبهم هدى ،
وبهم ختم ، وهم المعاذ في المعاد للعباد عند زلة القدم ، فهم مصابيح الظلم ، ومفاتيح النعم .
فصل
فإذا استقرينا الموجودات ، فإنها تنتهي إلى النقطة الواحدة التي هي صفة الذات وعلة
الموجودات ، ولها في التسمية عبارات ، فهي العقل من قوله صلى الله عليه وآله : ( أول ما خلق الله العقل ) ( 2 ) ،
وهي الحضرة المحمدية من قوله : ( أول ما خلق الله نوري ) ( 3 ) . ومن حيث إنها أول الموجودات
صادرة عن الله تعالى بغير واسطة سميت العقل الأول ، ومن حيث إن الأشياء تجد منه قوة التعقيل
سمي العقل الفعال ، ومن حيث إن العقل فاض منه إلى جميع الموجودات فأدركت به حقائق الأشياء
سمي عقل الكل ، فعلم بواضح البرهان أن الحضرة المحمدية هي نقطة النور وأول الظهور ، وحقيقة
الكائنات ، ومبدأ الموجودات ، وقطب الدائرات ، فظاهرها صفة الله ، وباطنها غيب الله ، فهي ظاهر
الاسم الأعظم ، وصورة سائر العالم ، وعليها مدار من كفر وأسلم ، فروحه صلى الله عليه وآله نسخة الأحدية في
اللاهوت ، وجسده صورة معاني الملك والملكوت ، وقلبه خزانة الحي الذي لا يموت ، وذلك لأن الله
تعالى تكلم في الأول بكلمة فصارت نورا ، ثم تكلم بكلمة فصارت روحا ، وأدخلها ذلك النور
هامش
( 1 ) النور : 35 .
( 2 ) تقدم الحديث .
( 3 ) تقدم تخريجه .