واحدة ) ( 1 ) ، أي من صورة واحدة ، ومادة واحدة ، وذلك تنبيها للغافلين ، وإيجازا للعارفين ، وكثرة
آدم راجعة في بستان الوحدة إلى النقطة ، وكذلك الأعداد فإن مرجعها إلى الواحد ، ومنبعها منه .
فصل
( معنى الواحد والألف )
واعلم أن سر العدد في النفوس مطابق لصور الموجودات ، وهو عنصر الحكمة ، ومبدأ المعارف
والإكسير الأول ، والكيمياء الأكبر والعهد المأخوذ ، وأول الابتداع ، ابتدعه الرب وجعله أصلا
لخلقه ، وقبلة لعباده ووجهه ، وأطلعه من سره المكنون ، وعلمه المخزون ، على ما كان وما يكون ، وهو
واحد العدد ، خلقه من نور جلاله ، وهو الإبداع المحض ، والأحد الذي ليس قبله شئ من العدد ،
وهو أول موجود ، والواحد المبدع والأحد ، بإثبات الألف هو المبدع لأن الألف يتقدم الحروف ففي
الأحد هي الأحدية ، وفي الواحد هي الوحدانية ، والأحد لا حد له ولا يوصف بإشارة أبنية فهو
الأحد المطلق والواحد الحق ، هو الذي تنبعث منه الآحاد وهو ينبوع الأزواج والأفراد ، فعلم العدد
أول فيض العقل على النفس ، ولذلك صار مركوزا في قوة النفس ، أول فيض العقل على النفس
والعدد لسان ينطق بالتوحيد لأن لفظ الواحد متقدم على الاثنين فالسبق للواحد ، وفي تقدم أحد
الاثنين على الآخر تأخر الثاني ، فصح بذلك التوحيد ، ولهذا قيل : من عرف طبيعة العدد عرف إتقان
الحكمة ، وأما إبطال الاثنين والثلاثة فإن الواحد الحق لا يتجزأ إذ لو تجزأ لانقسم ، والمنقسم ليس
بإله ، وأما الواحد الذي فاض عن الأحد المشار إليه بالعظمة الذي هو مبدأ كل موجود فهو العقل
الأول ، فعلم العدد الدال على معرفة الواحد الأحد هو أصل العلوم ومبدأ المعارف ، وتقدمه على
سائر العلوم ، كتقدم العقل على سائر الموجودات ، وكما أن جميع الأشياء موجودة في العقل بالقوة
فكذلك كل العلوم موجودة في العدد ، وصورتها مطابقة لصور الموجودات ، فله صورة البسائط
بالقوة ، وصورة المركبات بالفعل ، فلذلك كان علم العدد من الإشارات العقلية لأنه يقود النفس إلى
علم التوحيد والإقرار بالمبدع الأول فهو العقل الذي نزعت منه المقولات ، وهو شجرة اليقين ،
ومبدأ الشرع والدين ، عليه ثبتت الصلاة ، ومنه عرفت العبادات ، وبه تعرف أدوار الزمان ، وهو
هلال العارفين ومبدأ كل مقال ، أوله مطابق لآخرة ، وآخره مطابق لأوله ، فأوله الواحد الذي لا أول
له فيعرف ، وآخره الواحد الذي لا نهاية له فيوصف .
هامش
( 1 ) الزمر : 6 .