اللفظ لم يكن إثبات اللغة بمجرد هذا الاستعمال أولى من إثباتها بالاستعمال المنقول عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وأصحابه ، ولا أولى من استعمال القرآن المطرد ذلك المعنى في تلك النظائر وعموم المعنى لموارد استعمال ذلك اللفظ ، ولهذا تسمى تلك الألفاظ « النظائر » وفيها صنفت كتب الوجوه والنظائر ، فالوجوه الألفاظ المشتركة والنظائر والألفاظ المتواطئة ( الأول ) فيما اتفق لفظه واختلف معناه ( والثاني ) فيما اتفق لفظه ومعناه .
فحمل كلام اللّه سبحانه على ما يؤخذ من النظائر في كلامه وكلام رسوله وكلام أصحابه الذين كانوا يتخاطبون بلغته ، والتابعين الذين أخذوا عنهم أولى من حمل معانيه على ما يؤخذ من كلام بعض الشعراء والأعراب ، فالاحتمال يتطرق إلى فهم كلام اللّه ورسوله والصحابة كما يتطرق إلى فهم كلام أولئك في نظمهم ونثرهم ، فما يقدر من احتمال مجاز وإضمار واشتراك وغيره ، فتطرقه إلى كلامهم أكثر ، وهذا كله على طريق النزول وإلا فالأمر فوق ذلك ، وهذا يتبين بطريقين :
( أحدهما ) بيان استقامة هذه الطريق .
( الثاني ) بيان أنه لا طريق يقوم مقامها .
فأما المقام ( الطريق ) الأول فبيانه من وجوه ( أحدها ) أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم بين لأصحابه القرآن لفظه ومعناه ، فبلغهم معانيه كما بلغهم ألفاظه ، ولا يحصل البيان والبلاغ المقصود إلا بذلك قال تعالى :
لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
( النحل : 44 ) وقال :
هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ
( آل عمران : 138 ) وقال تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ
( إبراهيم : 4 ) وقال تعالى :
فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
( الدخان : 58 ) وقال تعالى :
كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ
( فصلت : 3 ) أي بينت وأزيل عنها الإجمال ، فلو كانت آياته مجملة لم تكن قد فصلت . وقال تعالى :
وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ
( العنكبوت : 18 ) وهذا يتضمن بلاغ المعنى وأنه في أعلى درجات البيان .
فمن قال إنه لم يبلغ الأمة معاني كلامه وكلام ربه بلاغا مبينا ، بل بلغهم