تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 508

مساهمون:

ص٥٠٨
فاستوى كما يقال عدلته فاعتدل فهو مطاوع الفعل المتعدي ، وهذا المعنى عام في جميع موارد استعماله في اللغة ، ومنه استوى إلى السطح ، أي ارتفع في اعتدال ، ومنه استوى على ظهر الدابة ، أي اعتدال عليها ، قال تعالى :
لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ
« وأهل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما استوى على راحلته » فهو يتضمن اعتدالا واستقرارا عند تجرده ويتضمن المقرون مع ذلك معنى العلو والارتفاع ، وهذا حقيقة واحدة تتنوع بتنوع قيودها كما تتنوع دلالة الفعل بحسب مفعولاته وصلاته ، وما يصاحبه من أداة نفي أو استفهام أو نهي أو إغراء فيكون له عند كل أمر من هذه الأمور دلالة خاصة والحقيقة واحدة . فهذا هو التحقيق لا الترويج والتزويق ، وادعاء خمسة عشر معنى لما ليس له إلا معنى واحد ، وهذا شأن جميع الألفاظ المطلقة إذا قيدت فإنها تتنوع دلالالتها بحسب قيودها ولا يخرجها ذلك من حقائقها ( فضرب ) مع المثل له معنى وفي الأرض له معنى ، والبحر له معنى والدابة له معنى إذ هو إمساس بإيلام ، فإن صاحبته أداة النفي صار له معنى آخر ، وإن كانت أداة استفهام أو نهى أو تمن أو تخصيص اختلفت دلالته وحقيقته واحدة في كل وضع يقترن به ما بين المراد . فإذا قال قائل في قوله تعالى :
وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ
( النساء : 34 ) أن الضرب له عدة معان فأيها المراد كان كالنظائر قول هذا القائل إن الرحمن على العرش استوى له خمسة عشر وجها ، والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أن في الوجه الأول يتبين أن مجموع اللفظ وصلته يدلان علي غير ما دل عليه اللفظ مع الصلة الأخرى ، وفي هذا الوجه يتبين أن مطلق اللفظ يدل علي المعنى المشترك وإن اختصاصه في محاله هو من اقترانه بتلك الصلة ولا منافاة بينهما ، فالتركيب بحدث للمركب حالة أخرى سواء كان المركب من المعاني أو من الألفاظ أو الأعيان أو الصفات مخلقوها ومصنوعها . فعلى هذا إذا اقترن استوى بحرف الاستعلاء دل على الاعتدال بلفظ الفعل
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 508 | ابن قيم الجوزية / محمد بن الموصلي