تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 506

مساهمون:

ص٥٠٦
ولم يتمكنوا من ذلك في ألفاظ القرآن ؛ وإن كان الرافضة حرفوا كثيرا من لفظه ، وادعوا أن أهل السنة غيروه عن وجهه . وأما تحريف المعنى فهذا الذي جالوا فيه وصالوا وتوسعوا وسموه تأويلا ، وهو اصطلاح فاسد حادث لم يعهد به استعمال في اللغة ، وهو العدول بالمعنى عن وجهه وحقيقته ، وإعطاء اللفظ معنى لفظ آخر بقدر ما مشترك بينهما ، وأصحاب تحريف الألفاظ شر من هؤلاء من وجه وهؤلاء شر من وجه ؛ فإن أولئك عدلوا باللفظ والمعنى جميعا عما هما عليه فأفسدوا اللفظ والمعنى ؛ وهؤلاء أفسدوا المعنى وتركوا اللفظ على حاله ، فكانوا خيرا من أولئك من هذا الوجه ، ولكن أولئك لما أرادوا المعنى الباطل حرفوا له لفظا يصلح له لئلا يتنافر اللفظ والمعنى ، بحيث إذا أطلق ذلك اللفظ المحرف فهم منه المعنى المحرف ، فإنهم رأوا أن العدول بالمعنى عن وجهه وحقيقته مع بقاء اللفظ على حاله مما لا سبيل إليه ؛ فبدءوا بتحريف اللفظ ليستقيم لهم حكمهم علي المعنى الذي قصدوا . الوجه التاسع والثلاثون : إن استواء الرب المعدى بأداة ( على ) المعلق بعرشه المعرف باللام المعطوف بثم على خلق السماوات والأرض المطرد في موارده على أسلوب واحد ونمط واحد لا يحتمل إلا معنى واحدا لا يحتمل معنيين البتة ؛ فضلا عن ثلاثة أو خمسة عشر كما قال صاحب ( القواصم والعواصم ) إذا قال لك المجسم
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
فقل استوى على العرش يستعمل على خمسة عشر وجها فأيها تريد ؟ فيقال له كلا والذي استوى على العرش لا يحتمل هذا اللفظ معنيين البتة ، والمدعى الاحتمال عليه بيان الدليل ، إذ الأصل عدم الاشتراك والمجاز ، ولم يذكر على دعواه دليلا ولا بين الوجوه المحتملة حتى يصلح قوله : فأيها تريدون وأيها تعنون ، وكان ينبغي له أن يبين كل احتمال ويذكر الدليل على ثبوته ، ثم يطالب حزب اللّه ورسوله صلى اللّه عليه وسلم بتعيين أحد الاحتمالات ، وإلا فهم يقولون لا نسلم احتماله لغير معنى واحد ، فإن الأصل في الكلام الإفراد والحقيقة ، دون الاشتراك والمجاز فهم في منعهم أولى بالصواب منك في تعدد الاحتمال ،