تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 481

مساهمون:

ص٤٨١
فهم منكرون ما جاءت به الرسل بما هو من نوعه أو دونه ، وهذا غاية الضلال فليتأمل ذلك . الوجه السابع عشر : إن من ادعى أن رحمة اللّه مجاز أو اسمه الرحمن الرحيم ، إما أن يثبت لهذا اللفظ معنى أو لا . والثاني يقر المنازع ببطلانه ، وإذا كان لا بد من إثبات معنى لهذا اللفظ ، فإما أن يتضمن محذورا أو لا ، فإن تضمن محذورا لم يجز إثباته ، وإن لم يتضمن محذورا لم يمكن إثباته وإخراج اللفظ عن حقيقته أولى من بقاء اللفظ على حقيقته ، وإثبات معناه الأصلي ، إذ انتفاء المحذور عن حقيقة والمجاز واحد ، وتسلم الحقيقة وهي الأصل ، فأما إخراج اللفظ عن حقيقته لأمر لا يتخلص به في المجاز ولا محذور منه في الحقيقة ولا في المجاز فلا معنى له بل هو خطأ محض . الوجه الثامن عشر : إن اللّه سبحانه وتعالى فرق بين رحمته والرضوان وثوابه المنفصل فقال تعالى :
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ
( التوبة : 21 ) فالرحمة والرضوان صفته والجنة ثوابه ، وهذا يبطل قول من جعل الرحمة والرضوان ثوابا منفصلا مخلوقا ، وقول من قال : هي إرادته الإحسان ، فإن إرادته الإحسان هي من لوازم الرحمة ، فإنه يلزم من الرحمة أن يريد الإحسان إلى المرحوم ، فإذا انتفت حقيقة الرحمة انتفى لازمها وهو إرادة الإحسان ، وكذلك لفظ اللعنة والغضب والمقت هي أمور مستلزمة للعقوبة ، فإذا انتفت حقائق تلك الصفات انتفى لازمها ، فإن ثبوت اللازم الحقيقة مع انتفائها ممتنع ، فالحقيقة لا توجد منفكة عن لوازمها . الوجه التاسع عشر : إن ظهور آثار هذه الصفة في الوجود كظهور أثر صفة الربوبية والملك والقدرة ، فإن ما للّه على خلقه من الإحسان والإنعام شاهد برحمة تامة وسعت كل شيء ، كما أن الموجودات كلها شاهدة له بالربوبية التامة الكاملة . وما في العالم من آثار التدبير والتصريف الإلهي شاهد بملكه سبحانه . فجعل صفة الرحمة واسم الرحمة مجازا كجعل صفة الملك والربوبية مجازا ، ولا فرق بينهما في شرع ولا عقل ولا لغة .