تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 475

مساهمون:

ص٤٧٥
فهل تجعلون إطلاق هذه الأسماء والصفات على اللّه حقيقة أم مجازا ؟ فإن قلتم حقيقة تناقضتم أقبح التناقض إذ عمدتم إلى صفاته سبحانه فجعلتم بعضها حقيقة وبعضها مجازا مع وجود المحذور فيما جعلتموه حقيقة ، وإن قلتم لا يستلزم ذلك محذورا فمن أين استلزم اسم الرحمن المحذور ، وإن قلتم الكل مجاز لم تتمكنوا بعد ذلك من إثبات حقيقة اللّه البتة لا في أسمائه ولا في الأخبار عنه بأفعاله وصفاته ، وهذا انسلاخ من العقل والإنسانية . الوجه الرابع : أن نفاة الصفات يلزمهم نفي الأسماء من جهة أخرى ، فإن العليم والقدير والسميع والبصير ، أسماء تتضمن ثبوت الصفات في اللغة فيمن وصف بها ، فاستعمالها لغير من وصف بها استعمال للاسم في غير ما وضع له ، فكما انتفت عنه حقائقها فإنه تنتفي عنه أسماؤها ، فإن الاسم المشتق تابع للمشتق منه في النفي والإثبات ، فإذا انتفت حقيقة الرحمة والعلم والقدرة والسمع والبصر ، انتفت الأسماء المشتقة منها عقلا ولغة ، فيلزم من نفي الحقيقة أن تنفي الصفات والاسم جميعا ، فالمعتزلة لا تقر بأن الأسماء الحقيقية تستلزم الصفات ، ثم ينفون الصفات ويثبتون الأسماء بطريق الحقيقة كما قالوا في المتكلم والمريد ، وبعض الجهمية يساعد على أن الاسم يستلزم الصفة ، ثم ينفي الصفة وينفي حقيقة الاسم ويقول لهذا مجاز ، فهو شر من المعتزلة من هذا الوجه . وهم خير منهم من وجه آخر ، وهو أنه يتناقض فيثبت بعض الصفات وحقائق الأسماء وينفي نظيرها وما يدل عليها من حقيقة الاسم ، وأهل السنة يثبتون الصفات وحقائق الأسماء ، فالأسماء عندهم حقائق وهي متضمنة للصفات . الوجه الخامس : إنه كيف يكون أظهر الأسماء التي افتتح اللّه بها كتابه في أم القرآن وهي من أظهر شعار التوحيد ، والكلمة الجارية على ألسنة أهل الإسلام وهي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
التي هي مفتاح الطهور والصلاة وجميع الأفعال ، كيف يكون مجازا ؟ هذا من أشنع الأقوال ، فهذان الاسمان اللذان افتتح اللّه بهما أم القرآن ، وجعلهما عنوان ما أنزله من الهدى والبيان ، وضمنهما الكلمة التي لا يثبت لها شيطان ، وافتتح بها كتابه نبي اللّه سليمان ، وكان جبرائيل ينزل بها على النبي صلى اللّه عليه وسلم عند افتتاح كل سورة من القرآن .
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 475 | ابن قيم الجوزية / محمد بن الموصلي