تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 473

مساهمون:

ص٤٧٣
النبأ : 37 ، الرحمن : 1 ، 2 ) وإنما جاء الرحيم مقيدا ، كقوله :
وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً
( الأحزاب : 43 ) وقوله :
إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
( التوبة : 117 ) ، ومقرونا باسم الرحمن كما في « الفاتحة » أو باسم آخر نحو
الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
( السجدة : 6 ، الروم : 5 ، يس : 5 ، الدخان : 42 ) وأيضا فالرحمن جاء على بناء فعلان الدال على الصفة الثابتة اللازمة الكاملة كما يشعر به هذا البناء نحو غضبان وندمان وحيران ، فالرحمن من صفته الرحمة ، والرحيم من يرحم بالفعل ، وأيضا فلا يخلو إنكارهم لهذا الاسم إما أن تكون دلالته على حقيقة الرحمة أو لا ، فإن كان الأول فمن أنكر أن يكون حقيقة فقد وافقهم ، وإن لم يكن كذلك فمن المعلوم أن موضوع الاسم وحقيقته صفة الرحمة القائمة بموصوفها ، فلو كانت حقيقة الاسم منتفية في نفس الأمر لكان طعنهم أقوى ، وكان ذلك بمنزلة وصفه بالأكل والشرب والنوم والجور ونحوها مما يليق به - وبالجملة فالذي أنكر أن يكون اللّه رحمانا على الحقيقة هو ( جهم بن صفوان ) وشيعته . قال اللّه تعالى :
وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ
( الأعراف : 148 ) . ومن أعظم الإلحاد في أسمائه إنكار حقائقها ومعانيها والتصريح بأنها مجازات وهو أنواع هذا أحدها ( الثاني ) جحدها وإنكارها بالكلية ( الثالث ) تشبيهه فيها بصفات المخلوقين ومعاني أسمائه ، وإن الثابت له منها مماثل للثابت بخلقه ، وهذا يذكره المتكلمون في كتبهم ويجعلونها مقالة لبعض الناس ، وهذه كتب المقالات بين أظهرنا لا نعلم ذلك مقالة لطائفة من الطوائف البتة ، وإنما المعطلة الجهمية يسمون كل من أثبت صفات الكمال للّه تعالى مشبها وممثلا ، ويجعلون التشبيه لازم قولهم ويجعلون لازم المذهب مذهبا ، ويسرعون في الرد عليهم وتكفيرهم . والمقصود أن هؤلاء المعطلة الملحدين في أسماء الرب تعالى هم المشبهون في الحقيقة ؛ لا من أثبت ألفاظها وحقائقها من غير تمثيل ولا تشبيه ، ولهذا لا يأتي الرد في القرآن على هذه الفرقة التي انتصب لها هؤلاء ، فإنها فرقة مقدرة في الأذهان ولا وجود لها في الأعيان وإنما القرآن مملوء من الرد على من شبه
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 473 | ابن قيم الجوزية / محمد بن الموصلي