تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١
وأسكنه جنته وعلمه أسماء كل شيء ، وإنما انتفع في المحنة باعترافه وإقراره على نفسه بالظلم وسؤاله المغفرة والرحمة . وهذا نوح أول رسول بعثه اللّه تعالى إلى أهل الأرض يسأله المغفرة ويقول
وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ
( هود : 47 ) ، وهذا يونس يقول
لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
( الأنبياء : 87 ) ، وإبراهيم الخليل يقول
وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ
( الشعراء : 82 ) ، ويقول
رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ
( البقرة : 128 ) الآية . وكليم الرحمن موسى يقول
رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي
( القصص : 16 ) ، ويقول
أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ
( الأعراف : 155 ) ، ومحمد صلى اللّه عليه وسلم أفضلهم وأكملهم وقد تقدم بعض ما كان يستغفر به ربه . وسأله الصديق أن يعلمه دعاء يدعو به في صلاته فقال : « قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم » « 1 » وإذا كان هذا حال الصديق الّذي هو أفضل الخلق بعد الأنبياء والمرسلين ، وأفضل من الملائكة عند أهل السنة وهو يخبر بما هو صادق فيه من ظلم نفسه ظلما كثيرا ؛ فما الظن بسواه ؟ بل إنما صار صديقا بتوفيته هذا المقام حقه الذي يتضمن معرفة ربه وحقه وعظمته وجلاله ؛ وما ينبغي له وما يستحقه على عبده ، ومعرفة تقصيره في ذلك ، وأنه لم يقم به كما ينبغي ، فأقر على نفسه إقرارا هو صادق فيه أنه ظلم نفسه ظلما وسأل ربه أن يغفر له ويرحمه . سحقا وبعدا لمن زعم أن المخلوق يستغنى عن مغفرة ربه ولا يكون به حاجة إليها ؛ وليس وراء هذا الجهل باللّه وعظمته وحقه غاية .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( 834 ) ، ومسلم ( 2075 ) .