تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤

( نفى التشبيه والتمثيل لا يغنى عن إثبات الصفات اللائقة باللّه سبحانه )

الخمسون : إن هؤلاء المعارضين بين الوحي والعقل إنما يدللون بنفي التشبيه والتمثيل ويجعلونه حنة لتعطيلهم ، فأنكروا علوه وكلامه وتكليمه وغير ذلك مما أخبر اللّه به عن نفسه ، وأخبر به رسوله صلى اللّه عليه وسلم حتى آل ذلك ببعضهم إلى نفي ذاته وماهيته ، خشية التشبيه ، وقالوا : يلزم في الوجود ما يلزم مثبتى الصفات ، والكلام . والعلو . فنحن نسد الباب بالكلية . فينبغي أن يعلم في هذا قاعدة عظيمة نافعة جدا هي : إن نفى الشبيه والمثل والنظير ليس في نفسه صفة مدح ولا كمال . ولا يمدح به المنفى عنه ذلك بمجرده فإن العدم المحض الذي هو أخس المعلومات وأنقصها ينفي عن الشبيه ، والمثل ، والنظير ، ولا يكون ذلك كمالا ولا مدحا إلا إذا تضمن كون من نفى عنه ذلك قد اختص من صفات الكمال بصفات باين بها غيره . وخرج بها عن أن يكون له فيها نظير أو مثل . فهو لتفرده بها عن غيره صح أن ينفي عنه الشبه والمثيل . ولا يقال لمن لا سمع له ولا بصر ولا حياة ولا علم ولا كلام ولا فعل : ليس له مثل ولا شبه ولا نظير . إلا في باب الذم والعيب . هذا الذي عليه فطر الناس وعقولهم واستعمالهم في المدح والذم كما قيل :
ليس كمثل الفتى زهير * خلق يساويه في الفضائل
وقال الفرزدق :
فما مثله في الناس إلا مملكا * أبو أمه حي أخوه يقار
أي فما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملكا هو أخوه فعكس المعطلة المعنى فجعلوا ( ليس كمثله شيء ) جنة يتترسون بها لنفى علو اللّه سبحانه على عرشه وتكليمه لرسله وإثبات صفات كماله . ومما ينبغي أن يعلم أن كل سلب ونفى لا يتضمن إثباتا ؛ فإن اللّه لا يوصف به لأنه عدم محض ونفي صرف لا يقتضي مدحا ولا كمالا . ولهذا كان تسبيحه وتقديسه مستلزمين لعظمته ومتضمنين لصفات كماله ، وإلا فالمدح بالعدم المحض كلا مدح ، ولهذا كان عدم السنة والنوم مدحا وكمالا في حقه لتضمنه أو استلزامه
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 284 | ابن قيم الجوزية / محمد بن الموصلي