على إصبع والجبال على إصبع والشجر على إصبع . إلى أضعاف ذلك مما إذا سمعه المعطلة سبحوا اللّه ونزهوه جحودا وإنكارا ، لا إيمانا وتصديقا ، كما ضحك منه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تعجبا وتصديقا لقائله وما شهد لقائله بالإيمان شهد له هؤلاء بالكفر والضلال ، وما أوصى بتبليغه إلى الأمة وإظهاره ، يوصى هؤلاء بكتمانه وإخفائه ، وما أطلقه على ربه لئلا يطلق عليه ضده ونقيضه ، يطلق عليه هؤلاء ضده ونقيضه ، وما نزه ربه عنه من العيوب والنقائص ، يمسكون عن تنزيهه عنه . وإن اعتقدوا أنه منزه عنه ، ويبالغون في تنزيهه عما وصف به نفسه . فتراهم يبالغون أعظم المبالغة في تنزيهه عن استوائه على عرشه وعلوه على خلقه ، وتكلمه بالقرآن حقيقة ؛ وإثبات الوجه واليد والعين له ، ما لا يبالغون مثله ولا قريبا منه في تنزيهه عن الظلم والعبث ؛ والفعل لا لحكمة ، والتكلم بما ظاهره ضلال ومحال . وتراهم إذا أثبتوا ؛ أثبتوا مجملا لا تعرفه القلوب ولا تميز بينه وبين العدم ؛ وإذا نفوا نفوا نفيا مفصلا يتضمن تعطيل ما أثبته الرسول حقيقة .
فهذا وأضعاف أضعافه من لوازم قول المعطلة . ومن لوازمه أن القلوب لا تحبه ولا تريده ولا تبتهج له ولا تشتاق إليه ، ولا تلتذ بالنظر إلى وجهه الكريم في دار النعيم ، صرحوا بذلك كله . وقالوا . هذا كله إنما يصح تعلقه بالمحدث لا بالقديم . قالوا : وإرادته ومحبته محال . لأن الإرادة إنما تتعلق بالمعدوم لا بالموجود ، والمحبة إنما تكون لمناسبة بين المحب والمحبوب ؛ ولا مناسبة بين القديم والمحدث .
ومن لوازمه أعظم العقوق لأبيهم آدم ، فإن من خصائصه أن اللّه يخلقه بيده ، فقالوا إنما خلقه بقدرته ، فلم يجعلوا له مزية على إبليس في خلقه .
ومن لوازمه - بل صرحوا به - جحدهم خلة إبراهيم الخليل ، وقالوا : هي حاجته وفقره وفاقته إلى اللّه ، فلم يثبتوا له بذلك مزية على أحد من الخلق ، إذ كل أحد فقير إلى اللّه بالذات وإن غاب شعوره بفقره عن قلبه أحيانا ، فهو يعلم أنه فقير إليه في كل نفس وطرفة عين .
ومن لوازمه - بل صرحوا به - أن اللّه تعالى لم يكلم موسى تكليما ، وإنما
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 254
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٢٥٤