تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
وحينئذ يصير الاستدلال بالنقل فضله غير محتاج إليه ، وإما بأن نتزيف أدلة المنكرين لما دل عليه ظاهر النقل ، وذلك ضعيف ، لما بينا من أنه لا يلزم من فساد ما ذكروه إلا أن يكون هنالك معارض أصلا ، إلا أن نقول أنه لا دليل على هذه المعارضات ، فوجب نفيه لكنا زيفنا هذه الطريقة ، يعني انتفاء الشيء لانتفاء دليله أو نقيم دلالة قاطعة على أن المقدمة الفلانية غير معارضة لهذا النص ولا المقدمة الأخرى ، وحينئذ يحتاج إلى إقامة الدلالة على أن كل واحدة من هذه المقدمات التي لا نهاية لها غير معارضة لهذا الظاهر . فثبت أنه لا يمكن حصول اليقين بعدم ما يقتضي خلاف الدليل النقلي ، وثبت أن الدليل النقلي تتوقف إفادته لليقين على مقدمة غير يقينية : وهي عدم دليل عقلي . وكل ما تنبئ صحته على ما لا يكون يقينا لا يكون هو أيضا يقينيا ، فثبت أن الدليل النقلي من هذا القسم لا يكون مفيدا لليقين . قال : وهذا بخلاف الأدلة العقلية فإنها مركبة من مقدمات لا يكتفي منها بأن لا يعلم فسادها ، بل لا بد وأن يعلم بالبديهة صحتها إذ يعلم بالبديهة لزومها مما علم صحته بالبديهة ، ومتى كان ذلك استحال أن يوجد ما يعارضه لاستحالة التعارض في العلوم البديهية . ثم قال : فإن قيل : إن اللّه سبحانه لما أسمع المكلف الكلام الذي يشعر ظاهره بشيء . فلو كان في العقل ما يدل على بطلان ذلك الشيء وجب عليه سبحانه أن يخطر ببال المكلف ذلك الدليل . وإلا كان ذلك تلبيسا من اللّه تعالى وأنه غير جائز . قلنا : هذا بناء على قاعدة الحسن والقبح ، وإنه يجب على اللّه سبحانه شيء ، ونحن لا نقول بذلك سلمنا ذلك ، فلم قلتم إنه يجب على اللّه أن يخطر ببال المكلف ذلك الدليل العقلي ؟ وبيانه : إن اللّه تعالى إنما يكون ملبسا على المكلف لو اسمعه كلاما يمتنع عقلا أن يريد به إلا ما أشعر به ظاهره وليس الأمر كذلك ، لأن المكلف إذا سمع ذلك الظاهر فتقدير أن يكون الأمر كذلك ، لم
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 257 | ابن قيم الجوزية / محمد بن الموصلي