تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
وليس لقائل أن يقول ذلك الكتاب محرف ، وأنى يحرف كلية كتاب منتشر في الأمم لا يطاق تعدادهم ؟ وبلادهم متباينة وأوهامهم متباينة ، منهم يهودي ونصراني ، وهم أمتان متعاديتان فظاهر من هذا كله أن الشرائع واردة بخطاب الجمهور بما يفهمون ، مقربة ما لا يفهمون بالتمثيل والتشبيه ، ولو كان غير ذلك لما أغنت الشرائع البتة ، قال : فكيف يكون ظاهر الشرائع حجة في هذا الباب ، يعني أمر المعاد ؟ لو فرضنا الأمور الأخروية روحانية غير مجسمة كان بعيدا عن إدراك بداهة الأذهان تحقيقها ، ولم يكن سبيل للشرائع إلى الدعوة إليها والتحذير عنها إلا بالتعبير عنها بوجوه من التمثيلات المقربة إلى الأفهام ، فكيف يكون وجود شيء آخر لو لم يكن الشيء الآخر على الحالة المفروضة لكان الشيء الأول على حالته ؟ فهذا هو الكلام على تعريف من طلب أن يكون خاصا من الناس لا عاما أن ظاهر الشرائع غير محتج به في مثل هذه الأبواب . فتأمل هذا الملحد ، بل رأس ملاحدة الملة ، ودخوله في الإلحاد من باب نفي الصفات ، وتسلطه في إلحاده على المعطلة النفاة بما وافقوا عليه من النفي ، وإلزامه لهم أن يكون الخطاب بالمعاد جمهوريا أو مجازا أو استعارة ، كما قالوا في نصوص الصفات التي اشترك هو وهم في تسميتها تشبيها وتجسيما ، مع أنها أكثر تنوعا وأظهر معنى وأبين دلالة من نصوص المعاد فإذا ساغ لكم أن تصرفوها عن ظاهرها بما لا تحتمله اللغة فصرف هذه عن ظواهرها أسهل . ثم زاد هذا الملحد عليهم باعترافه بأن نصوص الصفات لا يمكن حملها كلها على الاستعارة والمجاز ، وأن يقال إن ظاهرها غير مراد ، وأن لذلك الاستعمال مواضع تليق به حيث يكون دعوى ذلك في غيرها غلطا محضا كما في مثل قوله :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ
( الأنعام : 58 ) فمع هذا التقسيم والتنويع يمتنع المجاز ؛ فإنما أريد ما دل اللفظ عليه ظاهرا . ومع هذا فقد ساعدتم على امتناعه لقيام الدليل العقلي عليه . فهكذا نفعل نحن في نصوص المعاد سواء . فهذا حاصل كلامه وإلزامه ودخوله