تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
وانسب إليه شيئا بقدر بذر الخشخاش يحمله الإنسان بين ثيابه مدة فينقلب حيوانا يتغذى بورق الشجر برهة ، ثم إنه يبني على نفسه قبابا مختلفة الألوان من أبيض وأصفر وأحمر بناء محكما متقنا ، فيقيم في ذلك البناء مدة من الزمان لا يتغذى بشيء البتة . فينقلب في القبة طائرا له أجنحة يطير بها بعد أن كان دودا يمشى على بطنه فيفتح عن نفسه باب القبة ، وذلك دود القز . إلى أضعاف أضعاف ما ذكرناه ، مما يشاهد بالعيان ؛ مما لو حكى لمن لم يره لعجب من عقل من حكاه له وقال : وهل يصدق بهذا عاقل ؛ وضرورة العقل تدفع هذا ، وأقام الأدلة العقلية على استحالته فقال في النائم مثلا : القوى الحساسة سبب الإدراك للأمور الوجودية وآلة لها ، فمن لم يدرك الأشياء مع وجودها واستجماعها ووفورها ؛ فلأن يتعذر عليه عدم إدراكها مع عدمها وبطلان أفعالها أولى وأحرى . وهذا قياس أنت تجده أقوى من الأقيسة التي يعارض بها خبر الأنبياء ، والحس والعيان يدفعه ، ومن له خبرة بمواد الأدلة وترتيب مقدماتها ؛ وله أدنى بيان يمكنه أن ينظم أدلة عقلية على استحالة كثير من الأمور المشاهدة المحسوسة ، وتكون مقدمات تلك الأدلة من جنس مقدمات الأدلة التي تعارض بها النصوص أو أصح منها . وانسب إلى العقل : وجود ما أخبرت به الرسل عن اللّه وصفاته وأفعاله وملائكته واليوم الآخر ؛ وثبوت هذه الأمور التي ذكرنا اليسير منها ؛ وما لم تذكره ولم يخطر لنا ببال أعجب من ذلك بكثير ؛ تجد تصديق العقل بما أخبرت به الرسل أقرب إليه من تصديقه بهذه الأمور ؛ ولولا المشاهدة لكذب بها فيا للّه العجب ، كيف يستجيز العقل تكذيب ما أخبرت به الرسل بعد أن سمع ورأى وعاين ما لولا الحس لأنكره غاية الإنكار ؟ ومن هاهنا قال من صح عقله وإيمانه : أن نسبة العقل إلى الوحي أقل وأدق بكثير من نسبة مبادي التمييز إلى العقل . التاسع والعشرون : أن هؤلاء المعارضين بين العقل والوحي لا يمكنهم إثبات الصانع ، بل يلزم من قولهم نفيه بالكلية لزوما بينا ؛ ولأن العالم مخلوق له ؛ ولا يمكنهم إقامة دليل على استحالة إلهين ، ولا إقامة دليل واحد على استحالة